مع غياب الاستراتيجية: ترامب يدخل حرب “يأجوج ومأجوج” و”إسرائيل” تنجرف إلى صراع دموي
“انتهى وقف إطلاق النار!” هكذا غرّد ترامب مؤخرًا على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي، معبرًا عن فشل مذكرة التفاهم الهشة الموقعة مع إيران قبل نحو شهر. رجع ترامب،...
“انتهى وقف إطلاق النار!” هكذا غرّد ترامب مؤخرًا على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي، معبرًا عن فشل مذكرة التفاهم الهشة الموقعة مع إيران قبل نحو شهر. رجع ترامب، الذي عاد إلى لهجته العدائية المعهودة، إلى استخدام أدوات رتيبة كاستخدام القوة في الخليج العربي. في المقابل، يعلن آية الله عن استعدادات لحرب استنزاف تمتد سنوات، مُظهرين قدرة عالية على التكيف مع الواقع المتغير.
في الواقع صورة قاتمة ومُحبطة لا تتطابق على أقل تقدير مع ما كان يُقدمه له قادة واشنطن و”القدس” [تل أبيب] عشية انطلاق حرب كانت مثيرة للجدل بين خبراء المجال منذ البداية. ستُكتب الكتب وتُنتج الأفلام في الخارج عن تورط ترامب في وهمٍ فاشلٍ يتحول إلى حربٍ عبثيةٍ تُشبه حرب يأجوج ومأجوج، التي ستدخل قريبًا يومها المئة والخمسين. وربما يدفع الرئيس ثمن هذه المغامرة المشكوك فيها في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقرر إجراؤها في تشرين الثاني المقبل.
إن تحطم وهم النظام الأمريكي الذي خلقه رئيسٌ متقلبٌ يُعيد الشرق الأوسط إلى واقعٍ دمويٍّ مألوف، ويُثير تساؤلاً محلياً جديداً ومؤلماً: كيف وجدت “إسرائيل” نفسها منجرفةً إلى صراعٍ دمويٍّ مستمرٍّ وغير مرغوبٍ فيه مع إيران، دون استراتيجية خروجٍ واضحةٍ وفي خضمّ ارتجالٍ تكتيكيٍّ مستمر؟ وربما السؤال الأهم هو: كيف يُمكن للنزول على رأس النظام أن يؤدي بآية الله بالفعل إلى القنبلة؟ هذه أسئلةٌ جريئةٌ، ذات طابعٍ عابرٍ للأجيال، تُشير إلى عمق الشرخ والضرر المنهجي الذي أحدثته الحرب، بطريقةٍ تتطلب على الأقل تحقيقاً خارجياً ومستقلاً فيما يحدث.
وثمة صعوبات إضافية تتراكم في ساحات أخرى: ففي لبنان، وقف إطلاق النار هشّ ولا يرسي أسساً للتعامل مع حزب الله وتفكيكه. أما في غزة، وبعد عامين ونصف من حرب ألحقت ضرراً بالغاً بصورة “إسرائيل” في العالم، فها هي حماس تزداد قوةً، ولا قوة فلسطينية أو دولية في الأفق قادرة على تحديها. وفي سوريا، يُعدّ مفهوم الجيوب الأمنية صحيحاً على المدى القصير، لكن لا بوادر لأي تسوية. أما فيما يتعلق بدول اتفاقيات أبراهيم، فلا توجد استراتيجية ترسم ملامح قصة نجاح. وعلاقاتنا مع أوروبا في تدهور حاد. وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، يبدو أنه لا داعي لأي كلام – فقد تسببت حكومة نتنياهو المتطرفة في تدمير حاد لقيمة مكانة “إسرائيل”، وأدت إلى أدنى مستوى خطير في العلاقات بين البلدين، وفي الرأي العام الأمريكي أيضاً.
في ضوء الإخفاقات المنهجية المتعددة للحكومة في شتى المجالات، بات واضحاً أن المرحلة المقبلة ستتطلب صياغة استراتيجية إسرائيلية متعددة الأبعاد من الصفر لمواجهة التحديات الجسام. ولا يقتصر هذا المفهوم على مراجعة أهداف بناء قوة الجيش الإسرائيلي فحسب، بل يشمل أيضاً إعادة ضبط العلاقات مع الإدارة والرأي العام الأمريكيين، وصياغة رؤية مشتركة للتهديد، إلى جانب إحياء المفاهيم الرقيقة، كالدبلوماسية العسكرية والسياسية، والسعي إلى إبرام الاتفاقيات، والدعاية الفعّالة.
وفي هذا السياق، تبرز المبادرة المُرحّب بها من عضوي الكنيست آنذاك، غادي آيزنكوت ويولي إدلشتاين، للترويج لقانون استراتيجية الأمن القومي (2025)، الذي يُلزم الحكومة بالموافقة على استراتيجية سياسية-أمنية منهجية في غضون 150 يوماً من تأسيسها. وفي ظل الفوضى الراهنة، يبرز هذا القانون كبوصلة وطنية لوضع أسس التخطيط طويل الأجل، بما يحدّ من إمكانية اتخاذ القرارات بناءً على أهواء سياسية، كتلك التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة. إن صياغة آليات مماثلة لقانون استراتيجية الأمن القومي قد تقلل من احتمالية المغامرات العسكرية المتسرعة والكارثية، الخالية من هدف واضح، والتي قد تجلب كارثة علينا.
يديعوت أحرونوت 21/7/2026
