هآرتس: هرمز ونذر الحرب الشاملة.. هل باستطاعة دول الخليج لجم “تهديدات ترامب الكبرى” مرة أخرى؟
مدة القراءة: 5 دقيقة
لا ينوي ترامب مهاجمة قواعد الصواريخ أو تدمير بقايا اليورانيوم المخصب أو المنشآت النووية. ويبدو أن حياة قادة “النظام الجديد” في إيران آمنة أيضاً. ويمكن اعتبار الهجمات الأمريكية...
لا ينوي ترامب مهاجمة قواعد الصواريخ أو تدمير بقايا اليورانيوم المخصب أو المنشآت النووية. ويبدو أن حياة قادة “النظام الجديد” في إيران آمنة أيضاً. ويمكن اعتبار الهجمات الأمريكية على عشرات الأهداف في إيران”دقيقة”، وهدفها الرئيسي، حسب ترامب، هو إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات. وإذا لم تساعد هذه الهجمات يعد بضرب كل محطات الطاقة والجسور والبنى التحتية للطاقة في الأسبوع القادم، إلى أن تعلن إيران رغبتها في ذلك.
في الواقع، تعتبر هذه مهمة مع نطاق غير مسبوق. في إيران حوالي 500 محطة لتوليد الطاقة عاملة، وآلاف المحطات الفرعية، كل واحدة منها، حتى الكبيرة، لا تساهم إلا بجزء صغير من استهلاك الكهرباء. ولكن حتى لو قرر الرئيس شن حملة شاملة ضد محطات الطاقة، فإن الجزء الأكبر من الضرر سيتحمله عشرات ملايين المواطنين المرتبطين بها، والمستشفيات ومحطات تحلية المياه ومؤسسات مدنية أخرى.
لن يكون هذا الهجوم من طرف واحد. تمتلك إيران القدرة على الإضرار بالبنى التحتية المدنية في دول الخليج مثل تعطيل محطات تحلية المياه التي تزود 90 في المئة من السكان بالمياه، وتحييد المطارات، على سبيل المثال لا الحصر، هذه بعض الأضرار التي يمكن أن يتسبب بها رد إيران.
في غضون ذلك، يجب التذكير بأن التهديد بالإضرار بشبكة الكهرباء في إيران ليس جديداً. ففي آذار الماضي، غرد الرئيس الأمريكي بأسلوبه الحاد: “إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق في القريب لأي سبب كان… وإذا لم يتم فتح مضيق هرمز أمام التجارة على الفور، فسننهي وجودنا المزعوم في إيران بتفجير وتدمير كل محطات توليد الطاقة وآبار النفط وجزيرة خرج (وربما كل محطات تحلية المياه)، التي لم نمسها بشكل متعمد حتى الآن. سيكون هذاانتقاماً للكثير من جنودنا وغيرهم، الذين قتلتهم إيران خلال 47 سنة من “حكم الإرهاب” الذي فرضه النظام القديم”. مع ذلك، لم تكن الاعتبارات الاستراتيجية أو التكتيكية جوهر الأمر في حينه. فإذا لم يجبر إيران على التفاوض فالانتقام مضمون على الأقل.
ولكن هذا التهديد لم ينفذ أيضاً. ويعود ذلك بالأساس إلى الضغط الكبير الذي استخدمه قادة دول الخليج على ترامب. فقد وضعوا خطاً أحمر آخر عندما طلب في أيار شن حملة عسكرية لحماية الملاحة في مضيق هرمز، حيث أوضح له حاكم السعودية محمد بن سلمان بأنه لن يسمح باستخدام القواعد الجوية الموجودة في السعودية لتنفيذ المهمة.
هذا الضغط أثمر وتم تجميد العملية. وليس من المستبعد أن تخضع الخطة الطموحة التي يخطط لها الرئيس في الأسبوع القادم لأنظمة “الرقابة والإشراف” في دول الخليج التي تم تفعيلها من جديد هذا الأسبوع لإحباط نيته فرض رسوم بنسبة 20 في المئة على كل سفينة تعبر في مضيق هرمز. وبدلاً من الرسوم، سيكتفي ترامب بالتزام بعض هذه الدول بالاستثمار في الولايات المتحدة. كم سيكون حجم هذه الاستثمارات، ومتى سيتم استثمارها؟ هل ستكون هذه الاستثمارات إضافة إلى التزامات سابقة؟ يفضل عدم التكهن. يبدو أنه في الوقت الذي يحدد فيه ترامب لـ “إسرائيل” حدود نشاطاتها العسكرية في سوريا ولبنان، تشير دول الخليج لترامب إلى النطاق العسكري الذي ستقبل به.
مع تصاعد شدة التوتر، ليس واضحاً بعد ما يهدف إليه ترامب عندما يطالب إيران بالعودة إلى طاولة المفاوضات. هل ينوي إحياء الحوار حول مذكرة التفاهم التي وقعت قبل شهر؟ ففي نهاية المطاف، أعلن هو نفسه قبل أسبوع بأن هذه الوثيقة، التي تشل 14 بنداً، انتهت صلاحيتها ولم تعد سارية المفعول. يأتي هذا بعد أن هاجمت إيران بعض سفن النفط التي كانت تبحر في مسار بديل، ولم تنسق مسارها مع “سلطة مضيق الخليج الفارسي”، التي أنشأتها إيران في أيار لتنسيق حركة الشحن وتحصيل رسوم العبور في المضيق. هذا الخلاف الذي أشعل فتيل الاشتباكات الأخيرة يستدعي التوضيح.
تنص المادة 5 في مذكرة التفاهم على أنه “عند التوقيع على هذه المذكرة،ستبذل الجمهورية الإسلامية الإيرانية كل جهدها لتوفير العبور الأمن للسفن التجارية، بالمجان، لمدة ستين يوماً فقط، من الخليج الفارسي إلى بحر سلطنة عمان، وبالعكس”. ينص البند أيضاً على أن إيران ستجري حواراً مع سلطة عُمان لتحديد إدارة الخدمات البحرية في المضيق مستقبلاً، بالتشاور مع الدول المشاطئة الأخرى حسب القانون الدولي والحقوق السيادية للدول المشاطئة لمضيق هرمز.
وحسب التفسير الإيراني، يعطي هذا البند إيران سلطة تنسيق وإدارة الملاحة في مضيق هرمز، وترى إيران أنه يعطيها الحق في تحصيل رسوم العبور بعد فترة تفاوض تبلغ ستين يوماً، حتى لو لم يتم استكمالها. في الوقت نفسه، عليها التفاوض مع سلطنة عمان ودول الخليج الأخرى حول ترتيب دائم لإدارة الملاحة في الخليج. إضافة إلى ذلك، ترى إيران أن على الولايات المتحدة احترام أي اتفاق يتم التوصل إليه بين إيران وهذه الدول. هذه مجرد ثغرة واحدة في الوثيقة التي وقع عليها ترامب. ولتجنبها،اقترحت عُمان استخدام طريق ملاحة بديل قريب من شواطئها، حيث يمكن للسفن العبور فيه دون التنسيق مع إيران ودفع رسوم.
هكذا، ومنذ إنشاء “ممر عُمان” في النصف الثاني في الشهر الماضي، عبرت خلاله عشرات السفن كل يوم. ولكن في الأسبوعين الأخيرين، شنت إيران هجمات للسفن العابرة، ما أدى إلى انخفاض عددها إلى حوالي عشر سفن أو أقل في اليوم. وترى إيران في هذا المسار الجديد تهديداً لسيطرتها المطلقة على عبور المضيق، التي تزعم أنها أعطيت لها بموجب مذكرة التفاهم، وانتهاكاً صارخاً للمذكرة من طرف الولايات المتحدة التي تدعم هذا المسار. وفي محاولة لتحييد عمل هذا المسار، وصل وزير خارجية إيران عباس عراقجي، إلى مسقط، عاصمة سلطنة عمان، السبت الماضي. ولكن بعد ساعات من المفاوضات، لم يتمكن الطرفان من التوصل إلى صيغة متفق عليها.
وحسب ما هو معروف، فقد اقترحت سلطنة عمان أن تبلغ السفن المغادرة أو القادمة عبر المياه الإيرانية عن مكانها، وأن تنسق مع إيران، في حين يسمح للسفن الأخرى باستخدام المسار الجنوبي البديل، من دون المخاطرة بضربها. ولكن هذا التنظيم يقوض طموح إيران في السيطرة الكاملة على كل حركة الملاحة في المضيق. وفي هذه المرحلة، رفضت هذا الاقتراح. بعد فترة قصيرة من عودة عراقجي من عُمان، أوضحت إيران موقفها عندما هاجمتأهدافاً أمريكية في الأراضي العُمانية، ثم هاجمت سفناً كانت تبحر قربها.
لكن الأمر لا يقتصر على التقسيم الإداري أو التقني لإدارة الملاحة في الخليج.؛ فالسيطرة على مضيق هرمز أصبحت محور الصراع كله، ليس كممر ملاحة حيوي وشريان طاقة عالمي فقط، بل كاختبار للقوة السياسية. التحدي كما تراه إيران يكمن في كيفية ترسيخ الإنجازات التي تمثلها مذكرة التفاهم على أرض الواقع، وتأكيدها على الاعتراف الإقليمي والدولي.
أما الولايات المتحدة فترى أن الصراع يدور حول منع سابقة الاستسلام لنظام بحري تفرضه طهران، وهو ما قد يلحق بها هزيمة سياسية مدوية. السؤال المحوري الآن ليس إذا كانت واشنطن وطهران ما زالتا قادرتين على العودة إلى المفاوضات، بل إذا كان هناك مجال بينهما لاتفاق محدود يفصل بين الصراع على المكانة، والتدهور إلى حرب شاملة.
ظاهرياً، ما زالت للطرفين، الأمريكي والإيراني، أسباب للتريث، لكن عندما يتحول منطق الحرب الذي كان يقوم على رغبة في إحباط المشروع النووي وكبح التهديد العسكري الإيراني من خلال رغبة عبثية في إسقاط النظام، إلى صراع على السيطرة والسيادة والإهانة، فإن أي حل وسط يبدو للطرفين بمثابة هزيمة.
تسفي برئيل
هآرتس 16/7/2026
الوسوم
شارك الخبر
تابع أخبار961
