الشرع يعيد هندسة الأمن السوري… خطاب يقود مرحلة “حزب الله” و”إسرائيل”
مدة القراءة: 4 دقيقة
أعاد الرئيس السوري أحمد الشرع تشكيل القيادة الأمنية العليا بحزمة تعيينات نقلت مفاصل القرار والتنسيق والتنفيذ إلى بنية أكثر مركزية. وجاءت التغييرات في مرحلة تواجه فيها السلطة تجدد...
أعاد الرئيس السوري أحمد الشرع تشكيل القيادة الأمنية العليا بحزمة تعيينات نقلت مفاصل القرار والتنسيق والتنفيذ إلى بنية أكثر مركزية. وجاءت التغييرات في مرحلة تواجه فيها السلطة تجدد نشاط تنظيم “داعش” وتفجيراته، وفلتاناً أمنياً في مناطق عدة، إلى جانب تحديات فرضتها الحرب الإقليمية مع إيران، والضغوط الأميركية المتصلة بلبنان و”حزب الله”، والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب، وملف السويداء.
عيّن الشرع وزير الداخلية أنس خطاب مديراً لمكتب الأمن الوطني، إضافة إلى مهماته، ونقل رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة إلى موقع معاون مدير المكتب. كما عيّن نائب وزير الداخلية عبد القادر طحان رئيساً للاستخبارات، وسمّى قائد الأمن الداخلي في حماة ملهم الشنتوت معاوناً لوزير الداخلية للشؤون الأمنية.
وشغل خطاب مناصب أمنية داخل “هيئة تحرير الشام”، ثم تولى رئاسة الاستخبارات بعد سقوط نظام بشار الأسد، قبل انتقاله إلى وزارة الداخلية. وينحدر السلامة من الشحيل في ريف دير الزور، وتولى ملفات الشرق و”قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) ومكافحة “داعش”. أما طحان، فانتقل من العمل العسكري إلى الجهاز الأمني في “جبهة النصرة”، ثم “هيئة تحرير الشام”، وتدرج بعد سقوط النظام داخل وزارة الداخلية حتى أصبح نائباً للوزير. وجاء الشنتوت من قيادة أمن حماة ليخلفه في منصب معاون وزير الداخلية للشؤون الأمنية.
خطاب في قلب منظومة القرار
إذاً، أعاد الشرع مكتب الأمن الوطني إلى قمة الهرم الأمني، بعدما كان علي مملوك يديره في عهد النظام السابق بوصفه مركزاً للربط والتنسيق بين الأجهزة. ويعمل المكتب الآن إلى جانب مجلس الأمن القومي الذي أنشأه الشرع في آذار/مارس 2025 برئاسته وعضوية وزراء الخارجية والدفاع والداخلية ومدير الاستخبارات وشخصيتين استشاريتين، من دون أن تنشر السلطة نصاً تفصيلياً يحدد حدود العلاقة بين المجلس والمكتب.
يقوم البناء الأمني المعلن على ثلاث طبقات: مجلس للأمن القومي يرسم السياسة العليا، ومكتب للأمن الوطني ينسق بين الأجهزة ويتابع تنفيذ التوجيهات، وجهاز استخبارات يجمع المعلومات ويدير عملياته. إلا أن خطاب أصبح حاضراً في المستويات الثلاثة: عضواً في المجلس بصفته وزيراً للداخلية، ومديراً للمكتب، وقائداً للجهاز الأمني التنفيذي الأوسع انتشاراً في البلاد. وأبقت إعادة الهيكلة الأجهزة منفصلة من حيث الوظيفة، لكنها جمعت مرجعيتها السياسية والتنسيقية في دائرة يقودها خطاب.
ويشارك خطاب في رسم السياسة الأمنية، وينسق عمل الأجهزة، ويقود الوزارة التي تنفذ القسم الأكبر من العمليات في المحافظات. وبذلك عالج الشرع تداخل الداخلية والاستخبارات عبر تركيز القيادة، بدلاً من إقامة توازن جديد بين الجهازين. ويمنح هذا التركيز القيادة قدرة أسرع على اتخاذ القرار، لكنه يضع في يد وزير الداخلية أدوات واسعة تمتد من رسم السياسة الأمنية إلى تنسيق الأجهزة وقيادة الأمن الميداني.
تحجيم السلامة وإعادة توزيع النفوذ
سبقت الإعلان الرسمي معلومات نشرتها صحيفة “ذا ناشيونال” عن تنافس في الصلاحيات بين خطاب والسلامة، وعن تداخل بين الداخلية والاستخبارات. ولم يخرج السلامة من المنظومة، لكنه خسر رئاسة جهاز مستقل وأصبح معاوناً لخطاب، في خطوة أبقت خبرته وصلاته داخل الحلقة الأمنية وخفضت دوره التنفيذي اليومي.
ولا يمثل صعود طحان إنشاء قطب موازٍ لخطاب. فقد جاء من منصب نائب وزير الداخلية، فيما خلفه الشنتوت في موقعه السابق. وهكذا نقل الشرع قيادة الاستخبارات إلى شخصية خرجت من دائرة الداخلية، وربط الرئيس السابق للجهاز بمكتب يقوده خطاب. كما فتحت التغييرات نقاشاً بشأن إعادة توزيع الحضور الآتي من دير الزور، بعدما تراجع السلامة، ابن الشحيل، في مقابل بروز شخصيات شرقية أخرى أقرب تنظيمياً إلى وزير الداخلية.
وتحمل التعيينات رسالة خارجية أيضاً. فقد تبنت وزارة خطاب نهجاً متشدداً تجاه نشاط “حزب الله” وشبكات سلاحه داخل سوريا، وينقل وصول طحان من الوزارة إلى الاستخبارات هذا النهج إلى رأس الجهاز. وكان لافتاً أن تعلن الداخلية ضبط صواريخ
ومسيّرات وأسلحة موجهة على الحدود العراقية، قالت إنها كانت متجهة عبر سوريا إلى الحزب، بعد يوم من تسريب أنباء التعيينات وقبل إعلانها رسمياً بثلاثة أيام.
الداخل بوابة الملفات الإقليمية
يقدم هذا التعاقب دمشق بوصفها حاجزاً أمام طرق السلاح الإيرانية إلى لبنان، ويحمل رسالة إلى واشنطن وطهران وبيروت بأن السلطة ستتحرك داخل الأراضي السورية عبر ضبط الحدود وملاحقة الشبكات وتبادل المعلومات. ويخدم ذلك الضغوط الأميركية لقطع إمدادات “حزب الله”، من دون أن يعني إرسال قوات سورية إلى لبنان أو خوض مواجهة مباشرة مع الحزب داخله.
ويمنح انتقال طحان إلى الاستخبارات وزناً إضافياً لملف الجنوب، بعدما تولى جانباً من إدارة أزمة السويداء التي حولها التدخل الإسرائيلي إلى قضية داخلية وإقليمية. وسيقود طحان جهازاً يتعامل مع التوغلات والاتصالات الأمنية الخارجية، فيما يقود خطاب القوات التي تسعى دمشق إلى توسيع حضورها داخل المحافظة.
يكشف اختيار وزير الداخلية لقيادة مكتب الأمن الوطني أن أولوية إعادة الهيكلة هي ضبط الداخل، وأن السلطة تعالج التحديات الخارجية من بوابته. فالحرب مع إيران تظهر في شحنات السلاح العابرة للحدود، والضغط المتصل بلبنان يتحول إلى مهمة للداخلية، والتدخل الإسرائيلي يمر عبر إدارة السويداء والجنوب، فيما يتحرك “داعش” بين خلايا داخلية وامتدادات إقليمية. ومع غياب قواعد معلنة للرقابة والمحاسبة، ستحدد طريقة استخدام هذه السلطة طبيعة القبضة الأمنية التي تبنيها السلطة الجديدة.
نقلت الحزمة الأمن السوري من توزيع غير مستقر للنفوذ إلى قيادة عمودية يتصدرها الشرع ويمسك خطاب بخيوطها التنفيذية والتنسيقية. وقد تمنح المركزية الدولة قدرة أسرع على ضبط الحدود ومواجهة التنظيمات، لكنها تعيد بناء مركز أمني واسع السلطة قبل إعلان حدوده القانونية وآليات الرقابة عليه. وسيظهر الفارق بين بناء مؤسسة جديدة واستعادة النموذج القديم في طريقة ممارسة هذه السلطة، لا في أسماء المكاتب والأشخاص.
المصدر جريدة النهار
الوسوم
شارك الخبر
تابع أخبار961
