by الناشر | 22 July 2026 | إقليمي ودولي
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الأربعاء، شنّ ضربات جديدة على إيران.
وقالت “سنتكوم”: “بدأت قواتنا ضرب أهداف عسكرية في إيران، وذلك لليلة الـ11 على التوالي”.
وأضافت أن “الضربات تهدف إلى مواصلة إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية” التي تستخدمها لمهاجمة السفن العابرة لمضيق هرمز.
أول تعليق لإيران على تصريح ترامب عن “ضرب موقع جبل الفأس قريباً”
وجاءت الضربات فيما حذّرت القيادة الموحدة للقوات المسلحة الإيرانية (مقر خاتم الأنبياء) من أن أي هجوم أمريكي على المنشآت النووية الإيرانية أو غيرها من المواقع الحساسة سيُعتبر “توسيعاً للحرب في المنطقة”، وذلك وفقاً لبيان نقلته هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرح، الثلاثاء، بأن الولايات المتحدة ستقوم “بضرب موقع جبل الفأس قريباً جداً”.
ويقع هذا المجمع المحصن تحت الأرض على بعد حوالي ميل واحد جنوب مدينة نطنز بوسط إيران، وتم الإعلان عنه أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة في 2020 باعتباره منشأة مستقبلية لتجميع أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في إنتاج الوقود النووي.
by الناشر | 21 July 2026 | قضاء وأمن
تُظهر خريطة -أعدتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة- التوزيع الجغرافي للبلدات الثلاث المشمولة بالمرحلة التجريبية الأولى من “صيغة الإطار” بين لبنان و”إسرائيل”، وهي زوطر الغربية وفرون وصريفا، الممتدة على ضفتي نهر الليطاني.
كما قارنت الوحدة صورا التقطتها الأقمار الصناعية بين 28 فبراير/شباط و18 يوليو/تموز 2026، لرصد التغيرات الميدانية ونطاق الدمار الذي طال المباني والطرق والبنية التحتية في البلدات الثلاث.
ويأتي هذا الرصد بالتزامن مع بدء الجيش اللبناني -صباح اليوم الثلاثاء- انتشاره في زوطر الغربية بقضاء النبطية، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، وعقب انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي منها، في أول تطبيق ميداني للمرحلة التجريبية.
ميدانيا، أظهرت مشاهد نشرتها حسابات لبنانية دخول الجيش اللبناني إلى البلدة.
وأكد الجيش اللبناني أن وحداته بدأت الانتشار بناء على الاتصالات مع مجموعة التنسيق الخاصة بلبنان، داعيا المواطنين إلى عدم التوجه إلى زوطر الغربية حتى استقرار الوضع الأمني.
وتُظهر الخريطة أن البلدات المشمولة بالمرحلة الأولى لا تقع ضمن نطاق إداري واحد، لكنها تشكل حزاما جغرافيا يمتد على ضفتي نهر الليطاني.
وتقع زوطر الغربية شمال النهر ضمن قضاء النبطية، في حين تقع فرون إلى الجنوب الغربي منها ضمن قضاء بنت جبيل في المحافظة ذاتها، بينما تقع صريفا غرب فرون ضمن قضاء صور في محافظة الجنوب.
ويختلف الوضع الميداني بين البلدات الثلاث، إذ كان الجيش اللبناني يواصل تنفيذ مهماته في فرون وصريفا قبل الإعلان عن انطلاق المرحلة التجريبية، في حين ارتبط انتشاره في زوطر الغربية بانسحاب القوات الإسرائيلية منها. وبذلك تمثل زوطر الغربية أول حالة ضمن المرحلة الحالية يجري فيها الانتقال من وجود عسكري إسرائيلي إلى انتشار الجيش اللبناني.
وفي بيان عبر منصة إكس، أكد الجيش اللبناني -أمس الاثنين- أن وحداته تواصل مهماتها في فرون وصريفا، بالتوازي مع التنسيق لبدء الانتشار في زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها.
وتقع بلدات زوطر الغربية وفرون وصريفا في نطاق جغرافي متقارب حول نهر الليطاني. ويعبر “الخط الأصفر” الذي رسمته “إسرائيل” بلدة زوطر الغربية، في حين يمر بمحاذاة فرون وصريفا. أما إلى الجنوب، فيبرز “الخط الأزرق” الذي اعتمدته الأمم المتحدة عام 2000 للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
وقال رئيس بلدية زوطر الغربية العبد عز الدين إن طرقا جُرفت، ومنازل سُويت بالأرض، وإن تضرر البنية التحتية جعل البلدة غير قابلة للسكن حاليا، وفق ما نقلت عنه وكالة أسوشيتد برس.
وتكشف الصور الملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية الأوروبية “سنتينل-2” جانبا من حجم الخسائر، إذ أظهرت صور يوم 18 يوليو/تموز الجاري حجم الدمار الذي تعرضت له البلدة.
وفي بلدة فرون، لم يقتصر الأثر على المباني، فقد تضررت الطرق وشبكة المياه وبئر ارتوازية ومنشأة للطاقة الشمسية، وتحولت مدرسة في البلدة إلى مأوى مؤقت للأسر التي فقدت منازلها.
وكانت البلدة قد شهدت في سبتمبر/أيلول 2024 مقتل 3 أفراد من الدفاع المدني وإصابة اثنين، أثناء عملهم على إخماد حرائق أشعلتها الغارات الإسرائيلية.
أما في صريفا، فبدت آثار الدمار أشد وضوحا في قلب البلدة. فقد ذكر رئيس البلدية محمد نزال -في تصريحات لصحيفة لوموند الفرنسية- أن أكثر من 60% من المنازل دُمرت، وانقطعت المياه والكهرباء، وطال القصف مركز الرعاية الصحية ومركز المستجيبين الأوائل والصيدلية ومتاجر وسط البلدة. كما تحتاج نحو 500 أسرة دُمرت منازلها كليا إلى مساكن مؤقتة.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت -أمس الاثنين- بدء العمليات في البلدات الثلاث تحت إشراف مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، في إطار التفاهمات التي توصلت إليها الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية برعاية واشنطن.
وأُبرمت “صيغة الإطار” في 26 يونيو/حزيران الماضي، بعد خمس جولات تفاوضية، وتنص على انسحاب إسرائيلي متدرج من الأراضي التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية جنوبي لبنان، يعقبه انتشار الجيش اللبناني وتوليه المسؤولية الأمنية الكاملة في المناطق المخلاة.
كما يرتبط تنفيذ الصيغة بنزع سلاح الجماعات المسلحة، في إشارة إلى حزب الله، من دون أن تتضمن الصيغة المعلنة جدولا زمنيا محددا لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
وقال الجيش الإسرائيلي -أمس- إن فرقا من جيوش “إسرائيل” وأمريكا ولبنان تتولى التنسيق والتخطيط لمواصلة تنفيذ الاتفاق، محذرا من أنه سيتصرف ضد ما وصفه بأي انتهاك للاتفاق.
ونقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن مسؤول إسرائيلي أن المناطق التجريبية ستُستخدم لاختبار مدى نجاح الجيش اللبناني في تجسيد سيادة الدولة، عبر تنفيذ الشروط المتفق عليها ميدانيا، على أن يتولى طرف ثالث التحقق من التنفيذ.
ووصفت القناة 15 الإسرائيلية التجربة في زوطر الغربية وفرون وصريفا بأنها “اختبار للسيادة”، يتعين خلاله على الجيش اللبناني إثبات أنه الجهة الرسمية الوحيدة المخولة بحمل السلاح. وأضافت أن الجيش الإسرائيلي سيُجري تحققا ميدانيا، فإذا عَدَّ المنطقة مستوفية للشروط، تُوسع التجربة إلى بلدة أخرى، وإلا فسيتدخل لتفكيك ما يعدها بنى مسلحة فيها.
وتمثل البلدات الثلاث اختبارا أوليا لـ”صيغة الإطار”، ستحدد نتائجه إمكان توسيعها. ويأتي ذلك في حين تواصل “إسرائيل” احتلال مناطق في الجنوب، بينها أراض بقيت تحت سيطرتها منذ عقود، وأخرى توغلت فيها خلال الحرب السابقة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، في حين تؤكد بيروت أن أي ترتيبات أمنية يجب أن تقود إلى انسحاب كامل ووقف الخروقات الإسرائيلية.
by الناشر | 21 July 2026 | إقليمي ودولي
تضامن خليجي مع السعودية وواشنطن “مستعدة” للرد على الحوثيين
قال الرئيس الأمريكي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال استقباله الرئيس اللبناني جوزاف عون في البيت الأبيض اليوم الثلاثاء (21 يوليو/تموز 2026) إن الولايات المتحدة سترد إذا نفذت جماعة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران تهديدها بفرض حصار على الملاحة التجارية في البحر الأحمر، وذلك عقب إعلان الجماعة فرض حصار بحري على السعودية .
وقال “اذا حصل أمر كهذا، فسنتولى الأمر”. وأضاف “تعرفون أننا قمنا بذلك مع الحوثيين سابقا، ولم نسمع منهم شيئا منذ مدة” بعد ذلك، في إشارة الى الضربات التي وجّهتها واشنطن إليهم، قبل التوصل الى اتفاق بوساطة عُمانية في أيار/مايو 2025.
أعلن الحوثيون أمس الاثنين فرض حظر على الملاحة البحرية على السعودية، مما قد يفتح جبهة جديدة ضد الولايات المتحدة في حربها مع إيران ويفاقم التهديد الذي يواجه إمدادات الطاقة العالمية والتجارة خارج الخليج.
وحسب رويترز، أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن أن ناقلتي نفط جرى تحميلهما بالخام السعودي للصين والهند هذا الأسبوع،عادتا أدراجهما اليوم الثلاثاء في البحر الأحمر وتتجهان نحو قناة السويس، وذلك عقب تحذير من جماعة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران.
واليوم حذرت ميليشيات الحوثي، في رسالة بريد إلكتروني أرسلتها إلى شركات الشحن،من تحميل أو تفريغ البضائع في الموانئ السعودية، وقالت إن مثل هذه الأنشطة قد تؤدي إلى استهدافها “في أي مكان”.
**مجلس التعاون الخليجي يدين تهديدات الحوثيين**
وفي سياق متصل جدد مجلس التعاون الخليجي “وقوفه الكامل” إلى جانب المملكة، “ودعمه لكل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسيادتها وصون مصالحها.”
وأعرب الأمين العام للمجلس جاسم محمد البديوي في بيان عن إدانته واستنكاره بأشد العبارات “للتصريحات الصادرة عن ما يسمّى المتحدث العسكري التابع لمليشيا الحوثي الإرهابية”.
كما أدانت واستنكر “بأشد العبارات التهديدات التي تستهدف أمن المملكة”، وشددت على “تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية وكافة دول مجلس التعاون الخليجى، ودعمها لكافة الإجراءات التي تتخذها للحفاظ على أمنها واستقرارها وسيادتها وسلامة أراضيها”.
by الناشر | 21 July 2026 | إقليمي ودولي
ثمة آية في العهد القديم، تحديدا في سفر التكوين، يتمسك بها الصهاينة حجة لمشروعهم التوسعي، حيث يزعمون أنها تحوي وعدا إلهيا بأرض تمتد من نهر النيل حتى الفرات الكبير، وقد وظف هذا النص صراحة وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان حين أعلن في عام 1967 أن الإيمان بالتوراة يستوجب امتلاك كل الأراضي التوراتية، وذلك بحسب ما يذكره المفكر الفرنسي روجيه جارودي في كتابه عن “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية”.
لم يكن ديان أول مسؤول إسرائيلي يعتنق هذا النوع من “النبوءات التوراتية” ولن يكون الأخير. ففي أغسطس/آب عام 2025 أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن “ارتباطه شعوريا برؤية “إسرائيل” الكبرى”، قائلا إنه يرى نفسه: “في مهمة تاريخية وروحية ممتدة لأجيال”. فضلا عن تصريحات أعضاء اليمين في الحكومة الإسرائيلية الحالية أمثال بن غفير وسموتريتش التي تؤيد هذه الرؤية، وتسعى لتحقيقها مرحليا أو كليا بكل السبل المتاحة.
“أكثر الانتقادات إحراجا للمشروع الصهيوني صدرت عن حاخام يهودي بالغ في عداوته لهذا المشروع حتى آخر لحظة من حياته”
غير أن المفارقة اللافتة أن أشد الردود استهدافا لأسطورة التوسع من النيل للفرات، وأكثرها إحراجا للمشروع الصهيوني صدرت عن حاخام يهودي بالغ في عداوته لهذا المشروع حتى آخر لحظة من حياته. ذلك الرجل هو جويل (يوئيل) تيتلباوم، الذي حمل التوراة ذاتها سلاحا ليثبت أن قيام دولة “إسرائيل” ليس واجبا دينيا، بل خطيئة صريحة، وتمردا على أوامر الرب، وسببا في جلب النقمة الإلهية على كل اليهود.
ولم تكن حجته سياسية ولا قانونية ولا إنسانية، بل كانت لاهوتية خالصة مستمدة من أعماق النصوص المقدسة التي يزعم الصهاينة أنهم يستمدون منها شرعيتهم ورؤيتهم للشرق الأوسط وأحداث آخر الزمان. وهذا هو ما جعل رؤيته خطيرة جدا على أسس المشروع الصهيوني وشرعيته.
جويل ونشأة تيار ساتمار
في 13 يناير/كانون الثاني عام 1887، وفي مدينة سيغيت التي كانت آنذاك جزءا من الإمبراطورية النمساوية المجرية، وتعود اليوم للأراضي الرومانية تحت اسم سيغيتو مارماتسيي، وُلد جويل تيتلباوم خامس أبناء الحاخام الأكبر حنانيا يوم توف ليبا تيتلباوم وأصغرهم، من زوجته الثانية حنة أشكنازي.
لم يكن ميلاده في بيت عادي فأسرة تيتلباوم كانت تحمل إرثا حاخاميا ضاربا في العمق يمتد إلى الحاخام موسى تيتلباوم الذي تولى زعامة حركة الحسيديم (Hasidism) اليهودية التي ظهرت في أوروبا الشرقية خلال القرن الثامن عشر. وقد ترك الجد كتابا بعنوان “يسمح موشيه” (ابتهاج موسى) وهو تفسير لأسفار التوراة، وكذلك شغل والد جويل منصب الحاخام الأكبر لمدينة سيغيت وترأس المعهد الديني الحاخامي هناك، وقاد الحركة الحسيدية في المنطقة كما فعل أسلافه من قبله.
“أسرة تيتلباوم كانت تحمل إرثا حاخاميا ضاربا في العمق يمتد إلى الحاخام موسى تيتلباوم الذي تولى زعامة حركة الحسيديم”
كشف الصغير منذ سنواته الأولى عن قدرة لافتة في استيعاب العلوم الدينية اليهودية وحفظها وتحليلها، وحين بلغ سن الثالثة عشرة وأُقيم له حفل البارميتزفا (وهو تقليد يهودي أرثوذكسي يُعلن فيه دخول الفتى شد الرشد الديني والمسؤولية الروحية) ألقى جويل خطابا دينيا مطولا استمر لفترة طويلة أعجبت الحاضرين.
وبجانب رسوخه في الأدبيات اليهودية كان جويل متشددا في التزامه الديني بصورة لافتة حتى في بيئة متشددة أصلا، وكان معظم أبناء طائفته يرون فيه الأجدر بخلافة والده في الزعامة الروحية، لولا أنه كان الأصغر بين إخوته وكانت الأعراف تقضي بأن تؤول الزعامة إلى الأكبر سنا.
وحين وافت المنية والده في عام 1904 وجويل يومئذ في السابعة عشرة من عمره آلت زعامة الطائفة في سيغيت إلى أخيه الأكبر، فآثر جويل أن يبتعد عن المدينة حتى لا يجد نفسه منافسا لأخيه، فتوجّه إلى قرية ساتمار القريبة (وتُعرف اليوم بساتو ماري وتقع ضمن الحدود الرومانية)، بحسب ما أشارت إليه دراسة للباحث مناحيم كرين كراتس بعنوان “الحاخام جويل تيتلباوم- حاخام ساتمار وصعود معاداة الصهيونية في الأرثوذكسية الأمريكية”.
في ساتمار التف اليهود حول هذا الشاب ذي الكاريزما الطاغية، وصار المرجع الديني الذي يُقصد للاستفتاء في كل شؤون الحياة، وفي عام 1934 جرى اختياره رسميا كبيرا لحاخامات ساتمار، بعد سنوات من المقاومة الداخلية كان عليه خلالها أن يُثبت نفسه في مواجهة متشككين ومعارضين لتعيينه. وقد أشار كراتس في دراسته السابقة إلى أن هذه السنوات الأولى في ساتمار أسهمت في صياغة شخصيته المقاتلة التي لا تهادن ولا تساوم.
وكان تيتلباوم منذ البداية صارما في رفض أي تهاون مع الحداثة العلمانية، أو حتى مع الحركات الدينية التي رأى أنها تذوب في قيمها، وكانت حركة “أغودات يسرائيل” في مقدمة ما يرفضه، إذ رأى أنها انزلقت من موقف ديني أصيل رافض للصهيونية نحو التعايش والتكيّف معها، أما الصهيونية الدينية فكانت في نظره أسوأ أشكال الانحراف، لأنها تُلبس الضلالة في رأيه زي التقوى.
“في نظر تيتلباوم، كانت الصهيونية الدينية أسوأ أشكال الانحراف، لأنها تُلبس الضلالة زي التقوى”
وقبل أن نتابع مسيرة حياته، لا بد من الوقوف عند جذر الفكر اللاهوتي الذي جعل تيتلباوم قوة مؤثرة في تاريخ اليهودية المعاصرة، فقد بنى حجته المركزية على نص تلمودي يتحدث عن ثلاثة أيمان أقسمها الله: الأول والثاني على بني “إسرائيل” بألا يهاجروا إلى أرض فلسطين بصورة جماعية قسرا قبل مجيء المسيح المخلص (ألا يصعدوا كالسور)، وألا يتمردوا على الأمم التي يعيشون في ظلها أثناء شتاتهم. في المقابل تذكر هذه النصوص أن الله ألزم أمم العالم بألا يبالغوا في اضطهاد بني “إسرائيل” أو يتجاوزوا الحد في معاملتهم بالقسوة والظلم.
وقد اكتسبت النصوص الواردة في التلمود وسفر نشيد الإنشاد بشأن “الأيمان الثلاثة” شهرة واسعة داخل الأوساط اليهودية بفضل الحاخام تيتلباوم، الذي رأى فيها إنذارا ربانيا يمنع اليهود من السعي إلى إقامة دولة لهم في فلسطين. وقد بسط هذه الفكرة في عدد من مؤلفاته، وفي مقدمتها كتابه “مقدمة في سفر فاجويل موشيه” حيث أفرد فصلا كاملا بعنوان “مقال في الأيمان الثلاثة” تناول فيه شرح العهود التي فرضها الله على بني “إسرائيل” وعلى الأمم الأخرى وفق اعتقاده.
ويذهب تيتلباوم إلى أن الحركة الصهيونية خالفت هذه الأوامر الإلهية حين تحركت جماعيا نحو القدس وتمردت على الإرادة الربانية، معتبرا أن هذا العصيان كان سببا في نزول العقاب على اليهود، والذي تجسد -بحسب رأيه- في المحرقة النازية. ولا يتعارض هذا الفهم، في نظره، مع ما ورد في سفر التكوين بشأن أرض الميعاد؛ إذ يعتقد أن تلك النصوص تتصل بأحداث آخر الزمان، حين يأتي المسيح بوصفه تحقيقا لوعد إلهي، فيقيم العدل والسلام في العالم ويؤسس مملكته الروحية انطلاقا من أرض الميعاد.
وتُعدّ الحجة المركزية للكتاب أن الصهيونية انتهكت القسم الأول بـ”الصعود الجماعي” إلى فلسطين، فأُعفيت أمم العالم تبعا لذلك من قسمها بعدم أذى اليهود؛ وهكذا يكون الصهاينة قد جنوا الذلة والحرب على أنفسهم وعلى سائر اليهود الأبرياء بهذا التمرد على الأوامر الربانية.
“يرى تيتلباوم المحرقة عقوبة إلهية، وأن الصهاينة جنوا الذلة والحرب على أنفسهم وعلى سائر اليهود الأبرياء بتمردهم على الأوامر الربانية”
وقد استدل تيتلباوم أيضا بنص الحبر اليهودي موسى بن ميمون الذي حذر من أن بعض أبناء الشعب اليهودي سيندفعون في الأزمنة المتأخرة إلى إنهاء المنفى قبل موعده فيواجهون الكارثة، مفسرا هذا النص باعتباره وصفا دقيقا لما صنعه الصهاينة. وذهب إلى أبعد من ذلك حين شكّك في انتسابهم أصلا إلى بني “إسرائيل” الأصليين، فرأى أنهم من سلالة “إيريف راف”، وهم غير الإسرائيليين الذين خرجوا مع موسى عليه السلام من مصر والذين يُنسب إليهم تاريخيا عبادة العجل الذهبي والتسبب في إضلال بني “إسرائيل”.
كما شبههم بـ”شبتاي تسفي” وهو متصوف يهودي عاش في العصر العثماني كان قد ادعى في القرن السابع عشر أنه المسيح المنتظر لليهود، قبل أن يرتد عن اليهودية ويعتنق الإسلام بحسب وصفه. والجدير بالذكر أن تيتلباوم لا ينفي بالكلية حق اليهود في السكن في القدس وأرض فلسطين؛ إذ كان يرى أن وجود اليهود في القدس مقبول بالصفة الفردية تحت سلطة غير يهودية، أما ما يحرّمه فهو الدولة القومية اليهودية ذاتها باعتبارها إعلانا للسيادة السياسية قبل قدوم المسيح، وبمعزل عن المشيئة الإلهية.
الحرب والنجاة وقطار الموت
مع اشتداد الضغط النازي على يهود أوروبا في أواخر الثلاثينيات، لم يُليّن تيتلباوم من مواقفه قيد أنملة، فكان يرى في هذا الضيق تجليا لما حذر منه وأن ما يحدث عقوبة إلهية جاءت جراء الانحراف الصهيوني. وظل طوال تلك السنوات الحرجة يرفض أي تعاون مع المنظمات الصهيونية التي كانت تُنظّم شبكات تهريب اليهود إلى فلسطين، وحين عرضت الوكالة اليهودية الدولية تعاونا مشروطا بتوقيع اتفاقية رسمية رفض رفضا باتا.
وفي عام 1944 احتل الجيش النازي المجر وانطلقت عمليات ترحيل اليهود المجريين إلى معسكرات الاعتقال الألمانية، وفي 30 يونيو/حزيران 1944 أقلّت 35 عربة ماشية 1684 يهوديا من بودابست في القطار الذي صار يُعرف بـ”قطار كاستنر”، وكان من بين ركابه 126 يهوديا ضموا نحو 40 حاخاما، وكان جويل تيتلباوم أحد هؤلاء الناجين، حيث توجّه القطار أولا إلى بيرغن بيلسن شمال ألمانيا حيث أُودع الركاب في قسم خاص بظروف أفضل نسبيا، ريثما تنتهي مفاوضات الفدية حيث كان المحامي الصهيوني رودولف كاستنر يجري مفاوضات مضنية مع القائد النازي أدولف إيخمان للإفراج عن دفعة من اليهود مقابل فدية ضخمة.
“الرجل الذي رفض بشدة أي تعاون مع الصهاينة نجا بفضل قطار نظمه أحدهم”
وقد وصف الكاتب والطبيب اليهودي المجري فرنتس كينيدي أول مشاهداته للحاخام جويل تيتلباوم أثناء رحلة قطار كاستنر، وذلك في شهادته المنشورة في صحيفة دوس فورت (Das Wort) اليهودية الصادرة باليديشية (اللغة التاريخية ليهود أوروبا الشرقية) عام 1959، حيث ذكر أنه رآه عند الحدود المجرية السلوفاكية يسير جيئة وذهابا بمحاذاة القضبان، ويتمتم بصلوات أو ألحان دينية، ويبدو -على حد تعبيره- مثل “أسد جريح”. وأضاف كينيدي أنه لم يكن يعرف هوية ذلك الرجل حينذاك، ثم علم لاحقا أنه الحاخام الساتماري جويل تيتلباوم، كما ذكر أنهما أقاما معا عدة أشهر في القسم الرجالي (E) بمعسكر بيرغن بيلسن.
بعد الانتقال إلى سويسرا آثر تيتلباوم ومجموعة مقربة منه الانتقال إلى القدس في البداية حيث كانت ابنته تقيم هناك، قبل أن يستقر نهائيا في نيويورك عام 1946، وهنا تبدو المفارقة في حياته؛ فالرجل الذي رفض بشدة أي تعاون مع الصهاينة نجا بفضل قطار نظّمه ودخل في مفاوضاته واحد منهم، وإن ظل تيتلباوم وأتباعه يجادلون بأن نجاته تمت بفضل الحاخامات الحريديم الذين جمعوا المال ودفعوه للضباط الألمان، بل إنه خلال تنقلاته كان يرفض أن يأكل من طعام الصهاينة قبيل اعتقاله من قبل الألمان.
ويليامزبرغ.. بناء المملكة في المنفى
حين وصل تيتلباوم إلى مدينة نيويورك عام 1946، كان يبدأ حياته مجددا من الصفر في مدينة غريبة تعجّ بالمهاجرين اليهود الذين كانت الصهيونية تجد في مآسيهم تربة خصبة للنمو، ومع ذلك بدأ يؤسس حركة ساتمار من العدم، مستفيدا من نظام الفصل بين الكنيسة (المؤسسات الدينية عموما) والدولة في الولايات المتحدة الذي أتاح له بناء مجتمع مستقل بمؤسساته وقوانينه الداخلية المتفردة.
في 1 أكتوبر/تشرين الأول 1948 حين كانت الحرب العربية الإسرائيلية على أشدها، دُعي تيتلباوم إلى اجتماع جمع قادة المنظمات اليهودية الأمريكية للتضامن مع الدولة الوليدة، حينها خالف تيتلباوم الإجماع، وأعلن بصورة قاطعة رفضه الاعتراف بأي كيان سياسي للصهاينة فضلا عن الوقوف إلى جانبه في مواجهة العرب، مستندا إلى موقفه اللاهوتي الثابت وكان هذا التصريح بمثابة إعلان حرب مدوٍ على المؤسسة اليهودية الأمريكية التي هيمن عليها الصهاينة.
“قاد تيتلباوم مظاهرة تاريخية أمام القنصلية الإسرائيلية في نيويورك لإعلان البراءة من “إسرائيل”
وسرعان ما أكد تيتلباوم كلامه بأفعال، حين قاد مظاهرة تاريخية أمام القنصلية الإسرائيلية في نيويورك، شارك فيها آلاف اليهود الأرثوذكس بلحاهم الطويلة وعباءاتهم التقليدية السوداء، مرددين الهتاف ضد “إسرائيل” ومعلنين البراءة منها. وكان الحدث سابقة استثنائية رصدتها كبريات الصحف الأمريكية والإسرائيلية بدهشة، ونظمت حركته في الحقبة ذاتها اجتماعات احتجاجية عدة، ووزعت منشورات بالإنجليزية على الناس في الشوارع، بل أقامت مظاهرات أمام البيت الأبيض ذاته.
وحين حاول مندوب الكنيست الإسرائيلي بنيامين مينتز إلقاء خطاب في كنيس “بريسكر شول” في ويليامزبرغ احتجاجا على مواقف تيتلباوم، اضطرت الشرطة إلى التدخل لتفريق المؤيدين لتيتلباوم الذين حاصروا المنصة. وحينها، أدركت تل أبيب الخطر الداهم من هذا الرجل المتنفّذ، فأوفدت وزير داخليتها حاييم موشيه شابيرا إلى نيويورك للقاء تيتلباوم، لكن اللقاء لم يُفضِ إلى شيء. وبحلول في عام 1953 تقلّد تيتلباوم رئاسة حركة “إيداه هريديت” الكيان اليهودي الأصولي الأرفع الرافض للصهيونية داخل “إسرائيل” ذاتها، ثم أسس في عام 1954 المؤتمر الحاخامي المركزي لأمريكا الشمالية الذي صار منصة دورية لتفكيك خطاب الصهيونية ونقض شرعيتها.
وفي عام 1959 في زيارة أريد منها ظاهرا استرضاؤه، قدم تيتلباوم إلى “إسرائيل” فكان استقباله من أتباعه أسطورياً؛ فقد التقاه الآلاف منهم في ميناء حيفا بلباسهم التقليدي واستأجروا قطارا كاملا لنقله إلى القدس، وعلقوا لافتات ترحيبية ملأت الشوارع، لكنه فاجأ الجميع بأن طلب من أتباعه تسليمه بطاقات هويتهم لضمان مقاطعتهم الانتخابات الإسرائيلية رفضا لشرعيتها، وفي العام ذاته صدر كتابه “مقدمة في سفر فاجويل موشيه” في طبعته الأولى، الذي كان بمثابة بيانه العقدي المنظم، فأثار موجة من الجدل الواسع في الأوساط الدينية اليهودية.
المقاومة حتى النهاية
حين هزمت “إسرائيل” العرب في حرب يونيو/حزيران 1967 واحتلت الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، بدت تلك لكثيرين من اليهود معجزة إلهية لا تقبل الشك، حينئذ وجد تيتلباوم نفسه أمام اختبار وجودي لفكره؛ إذ كيف يُفسر هذا النصر الصاخب؟
بيد أنه لم يتردد في التدخل؛ فبعد أيام قليلة من انتهاء الحرب، أصدر كتابه باللغة اليديشية بعنوان “عل هغئولا فيعل هتموراه” (عن الخلاص وعن التغيير)، مؤكدا أن هذا النصر لا يمثل بأي وجه مباركة ربانية للصهيونية. وقال -كما نقل عنه بعض الباحثين- إن انتصار عام 1967 لم يكن معجزة إلهية بل كان فتنة شيطانية وعملا من قوى الشر يستهدف إيهام اليهود المتدينين بأن الصهيونية تسير على طريق الحق لإيقاعهم في الضلالة والردة ودعا أتباعه صراحة إلى عدم الانخداع بهذا النصر العابر الذي لن يلبث أن يكشف عن وجهه الحقيقي.
“رأى تيتلباوم أن انتصار عام 1967 لم يكن معجزة إلهية بل كان فتنة شيطانية تستهدف إيهام اليهود المتدينين بأن الصهيونية تسير على طريق الحق”
وقد أشارت بعض الدراسات المتخصصة في فكر تيتلباوم إلى أن كتابه “فاجويل موشيه” الصادر في عام 1959 وضع الأساس النظري المتكامل للعقيدة الساتمارية المناهضة للصهيونية، إلا أن تأثيره كان في البداية محصورا نسبيا داخل الدوائر الحريدية الراديكالية. أما بعد حرب يونيو/حزيران 1967 وما نتج عنها من سيطرة “إسرائيل” على القدس الشرقية وحائط البراق، فقد دخل الجدل الديني حول معنى هذه الأحداث إلى قلب المجتمع الحريدي، وهنا نشر تيتلباوم كتابه “عن الخلاص وعن التغيير”، الذي مثّل ردا مباشرا على من اعتبروا انتصار “إسرائيل” علامة على بداية الخلاص اليهودي. وقد ساعد هذا الكتاب على نشر أفكاره خارج الإطار الساتماري الضيق وإدخالها إلى سجالات أوسع داخل العالم الحريدي.
في هذه المرحلة باتت الحركة التي أسسها تيتلباوم القوة اليهودية الأصولية “الأرثوذكسية” الأكبر والأسرع نموا في الولايات المتحدة، ومن ضمن الأكبر في العالم، وكانت قد أسست نواة مجتمعها في حي ويليامزبرغ في بروكلين حيث صمد أتباعه حين فرّ منه الجميع إبان أزمة السكن والعنف في الستينيات والسبعينيات.
وفي عام 1974 بدأ مشروع بلدة “كيرياس جويل” (Kiryas Joel) حين استقرت أولى العائلات الساتمارية في منطقة مونرو بولاية نيويورك. كان المشروع مبادرة من تيتلباوم لتكوين مجتمع حسيدي محافظ على نمط الحياة الساتماري التقليدي بعيدا عن التأثيرات الخارجية. وقد بلغ عدد سكان البلدة أكثر من 33 ألف نسمة وفق تعداد عام 2020، بينما تشير تقديرات أحدث إلى تجاوزهم 43 ألفا.
وقد وصفته مجلة “تايم” بـ”ملك كل الحاخامات”، وهو لقب لم يمنحه إياه أتباعه فحسب بل منحه إياه خصومه أيضا بطريقة ما، إذ كان تأثيره في المجتمع اليهودي الأصولي الأمريكي يفوق أي صوت ديني آخر في عصره.
“معاداة الصهيونية احتلت موقعا مركزيا في مشروع تيتلباوم الفكري والديني”
في الحقيقة، يرى الكثير من الباحثين أن جويل تيتلباوم نجح في إحداث تحول عميق في طبيعة العداء اليهودي للصهيونية، إذ نقل هذا العداء من كونه موقفا تتبناه بعض الأوساط الأرثوذكسية إلى منظومة دينية متكاملة ذات أسس واضحة. فقد بيّن مناحيم كرين -كراتس في دراسته “الحاخام جويل تيتلباوم، وصعود العداء للصهيونية في الأرثوذكسية الأمريكية” أن تيتلباوم أسهم في ترسيخ معاداة الصهيونية بوصفها عقيدة دينية ملزمة داخل قطاعات واسعة من الأرثوذكسية اليهودية. كما أوضح زافي جوناثان كابلان في دراسته “جذور العداء الساتماري للصهيونية: الحاخام جويل تيتلباوم والصهيونية والأرثوذكسية المجرية المتشددة” أن معاداة الصهيونية احتلت موقعا مركزيا في مشروع تيتلباوم الفكري والديني.
وذهب موتي إنباري في دراسته “حياة وأعمال الحاخام جويل تيتلباوم” إلى أن أفكاره أصبحت حجر الزاوية في الهوية الساتمارية المعاصرة. وبناء على ذلك تحولت معاداة الصهيونية على يديه من رأي ديني محدود التأثير إلى عقيدة راسخة ذات أسانيد شرعية يهودية، تُدرَّس في المؤسسات التعليمية الساتمارية (نسبة إلى مدينة ساتمار الرومانية) وتُعد من أبرز ركائز الهوية الفكرية للحركة.
الوفاة والاستمرارية
في عام 1968 أُصيب تيتلباوم بسكتة دماغية شلت حركته جزئيا، ولم يَقوَ جسده على العودة الكاملة إلى نشاطه المعتاد، ومع ذلك ظل يُصدر آراءه ويُشرف على حركته حتى فارق الحياة في 19 أغسطس/آب 1979 عن عمر ناهز 92 عاما، وقد خلّف وراءه حركة ضخمة بيد زوجته فايغي تيتلباوم التي أدارت شؤونها بالتعاون مع كبار الحاخامات، إلى أن تسلّم ابن أخيه موشيه تيتلباوم زعامتها في أغسطس/آب 1980.
وتوفي موشيه تيتلباوم في عام 2006 دون أن ينجح في إنهاء النزاع حول خلافته، فانقسمت الحركة الساتمارية إلى جناحين رئيسيين: أحدهما بقيادة هارون تيتلباوم في كيرياس جويل، والآخر بقيادة زالمان لايب تيتلباوم في ويليامزبرغ.
ورغم هذا الانقسام التنظيمي، ظل الجناحان متمسكين بالموقف العقائدي الذي أرساه جويل تيتلباوم في رفض الصهيونية والدولة الإسرائيلية، وتُعد ساتمار اليوم من أكبر الجماعات الحسيدية في العالم، ويُقدَّر عدد أتباعها بمئات الآلاف موزعين بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” وأوروبا وكندا، مع تركز رئيسي في منطقتي كيرياس جويل وويليامزبرغ بولاية نيويورك الأمريكية، كما تُعرف بمعدلات نمو سكاني مرتفعة جعلتها من أسرع الجماعات الحريدية توسعا في العقود الأخيرة.
المصدر: الجزيرة
by الناشر | 21 July 2026 | إقليمي ودولي
دخلت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة استنزاف عالية الخطورة؛ إذ توازى توسيع نطاق الغارات الأمريكية على طول الشريط الساحلي الجنوبي لإيران مع تصاعد الاستنفار لدى الجانبين، ورغم كثافة النيران تحافظ القنوات الخلفية عبر الوسطاء الإقليميين على الحد الأدنى من حراكها السياسي لمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
وفي تقرير للجزيرة، أعدته سلام خضر، أفاد بأن الإستراتيجية الأمريكية تتكشف أبعادها عبر فرض حزام ناري يمتد من حدود سيستان وبلوشستان المحاذية لباكستان، مرورا بمناطق بندر عباس وقشم وبوشهر وخوزستان، وصولا إلى الحدود البحرية المحاذية للعراق.
وتستهدف هذه الضربات المتواصلة تقويض القدرات الملاحية لـطهران عبر تدمير قواعد إطلاق المسيرات ورادارات الإنذار الساحلي.
ودعا قائد القوات البرية في الحرس الثوري العميد محمد كرمي إلى رفع جاهزية شبكة الدفاع الشعبي وتفعيل قوات التعبئة (البسيج) لحماية الجزر الإيرانية وتأمين خطوط التماس الجنوبية، في رد فعل ميداني يعكس حجم الخشية الإيرانية من توسع نطاق العمليات.
ويأتي استنفار القوات غير النظامية كخطوة احترازية عقب تلميحات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول احتمال تنفيذ عملية برية أو إنزال عسكري على جزر إيرانية في الخليج.
واتخذت القيادة الإيرانية تدابير ميدانية لسد الثغرات الدفاعية وعزل الشريط الساحلي عن أي محاولات اختراق، بالرغم من عدم إعلان واشنطن حسم هذا الخيار.
وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، تتشكل مواقف الأطراف الفاعلة وفق المعطيات الآتية:
موقف الإدارة الأمريكية: أعلن ترمب السعي لإنهاء الملف الإيراني كليا، بينما قدم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خطابا أكثر مرونة يؤكد الانفتاح على الحل الدبلوماسي المشروط بالعودة للتفاهمات.
الموقف الإيراني: اتهم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي واشنطن بالتنصل من الاتفاقات، مؤكدا استقبال مقترحات الوسطاء وتطبيق قاعدة “الالتزام مقابل الالتزام”.
الوساطة الإقليمية: تحركات مكثفة تقودها قطر لخفض التصعيد وضمان حرية الملاحة في هرمز، بالتزامن مع زيارة وزير الداخلية الإيراني إلى إسلام آباد حاملا رسالة أمنية وسياسية من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
فكك خبراء، تحدثوا للجزيرة، أبعاد الانسداد الدبلوماسي وتداعيات التصعيد الميداني عبر المحاور الآتية:
تصعيد الجبهات: أوضح نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق مايكل مولروي أن واشنطن تعمل على استدامة الزخم العسكري عبر حشد القدرات لتقويض قدرات طهران، مشيرا إلى أن المعلومات تؤكد إبلاغ إيران لـ الحوثيين بضرورة إغلاق ممر باب المندب، مما يغلق باب المفاوضات حاليا ويعزز اتجاه التصعيد الشامل.
التكييف الإيراني: أكد الباحث في العلاقات الدولية محسن فرخاني عدم وجود أرضية للمفاوضات؛ لكون واشنطن تتخذ الدبلوماسية وسيلة لتحقيق أهداف أحادية، مشددا على أن طهران تعتمد تكتيك الرد غير المتناسب لإرغام أمريكا على احترام الحدود، وأن الميدان هو المحدد الأساسي للسباق السياسي.
العناد المضاد: اعتبر أستاذ تسوية النزاعات الدولية الدكتور محمد الشرقاوي أن الصراع يحكمه “عناد متبادل”؛ حيث يراهن ترمب على أن تدمير البنية التحتية يضعف طهران، بينما يمتلك صناع القرار في إيران جاهزية بنسبة 90% لمواصلة الحرب وتهميش خيار التفاوض، داعيا الوساطة القطرية والباكستانية إلى التمسك بخيط التواصل الدبلوماسي لمنع الانهيار الكامل.
وفي مواجهة السعي الأمريكي لفرض العبور المفتوح دون ضوابط أمنية، يستند التكييف القانوني لطهران إلى أطر القانون الدولي في إدارة النزاعات البحرية؛ حيث يوضح الباحث في العلاقات الدولية محسن فرخاني أن إيران تطبق قواعد “دليل سان ريمو للقانون الدولي” (المادتين 60 و95) لحماية حدودها، معتبرة أن استهداف حركة السفن يأتي في إطار الرد المشروع على الانتهاكات والتضييق الأمريكي.
وفي المقابل، بيّن الخبير الأمريكي كينيث كاتزمان أن واشنطن تصر على تطبيق “الصيغة العمانية” المبرمة في يونيو/حزيران الماضي، والتي تنص على تقسيم المياه الإقليمية وفق مبدأ 12 ميل بحري لكل دولة، وضمان العبور الآمن للسفن التجارية دون التعرض لها أو محاولة تحكم الحرس الثوري الكامل في الممر.
وعلى صعيد الآليات التنفيذية الكفيلة بالخروج من مأزق التصعيد الميداني، تبرز ضمن أروقة الوساطة الإقليمية خريطة طريق متدرجة طرحها الباحث في الأنظمة السياسية سليم زكور، تعتمد على مرحلتين أساسيتين:
المرحلة الأولى: إقرار هدنة ميدانية مؤقتة مدتها 10 أيام لوقف الغارات الأمريكية والردود الإيرانية بهدف بناء الثقة.
المرحلة الثانية: صياغة تسوية قانونية مستدامة للملاحة، عبر إعادة تفسير البند الخامس من مذكرة التفاهم السابقة، أو الذهاب نحو اتفاق إيراني عماني مباشر ينظم إدارة الممر المائي بما يتوافق مع القانون الدولي.