by الناشر | 29 July 2026 | إقليمي ودولي
يرى الباحث مازن عبد المعطي الجعبري، في ورقته العلمية الصادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، أن ما يجري في المسجد الأقصى لا يمكن فهمه باعتباره سلسلة من الإجراءات الأمنية المنفصلة التي تفرضها “إسرائيل” في أوقات التوتر، وإنما باعتباره مسارًا متراكمًا لإعادة تشكيل “الوضع القائم” في المسجد، تستخدم فيه الحرب والطوارئ لتسريع تحولات بدأت قبل الحرب، وتتقدم على مستويات أمنية ودينية وسياسية وتشريعية ومؤسسية متوازية.
ومن هنا لا تنطلق الدراسة من سؤال الانتهاك المنفرد، وإنما من سؤال أوسع يتعلق بمن يملك، عمليًا، سلطة إدارة الأقصى وتحديد وظيفته وحدود الحضور الديني داخله.
وتعد الحرب على إيران لحظة كاشفة لهذا المسار، إذ صاحب إعلان حالة الطوارئ إغلاق المسجد الأقصى وإخلاؤه من المصلين وفرض قيود واسعة في محيطه والبلدة القديمة.
وترى الدراسة أن أهمية ما حدث تتجاوز الإغلاق نفسه؛ فقد أظهر أن “إسرائيل” تتعامل مع المسجد، عندما تبلغ الأزمات الأمنية ذروتها، باعتباره جزءًا من منظومة الأمن والسيادة التي تستطيع السلطات الإسرائيلية إخضاعها لقرارها، وليس مكانًا دينيًا تحكمه ترتيبات تاريخية وقانونية تحول دون تعليق وظيفته الدينية الإسلامية.
ولهذا لا تعتبر الدراسة الحرب منشئة لهذا التحول، وإنما فرصة لتسريعه وكشف مداه. فالسياسات التي سبقتها كانت قد نقلت تدريجيًا جوانب من التعامل مع الأقصى من المجال الوقفي والديني إلى المجال الأمني والشرطي، من خلال الإبعادات، والقيود المفروضة على المصلين، والتحكم في الأبواب، والتدخل في حركة الحراس وموظفي الأوقاف والدروس والأنشطة الدينية، وتنظيم الاقتحامات. وجاءت حالة الحرب لتظهر أين استقر مركز القرار الفعلي عندما أصبح السؤال: من يستطيع إغلاق المسجد وفتحه، ومن يحدد من يدخله ومن يمنع منه؟
ومن هنا تصوغ الدراسة فكرتها المركزية:”إسرائيل” ليست في حاجة إلى إعلان إلغاء الوضع القائم، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية ودينية، وإنما تستطيع الإبقاء عليه في الخطاب الرسمي والدبلوماسي، بينما تنقل وظائفه الفعلية تدريجيًا إلى مؤسساتها. وبهذه الطريقة يمكن أن يبقى الاسم بينما يتغير المضمون، وتصبح إعادة تشكيل الأقصى نتيجة تراكم قرارات وإجراءات تبدو منفردة عند النظر إلى كل منها على حدة، لكنها تكشف اتجاهًا مختلفًا عند جمعها في مسار واحد.
زوار يهود يؤدون الصلاة عند مدخل المسجد الأقصى (رويترز)
الوصاية الأردنية.. الاعتراف باق والوظيفة تتآكل
تعود الدراسة إلى مفهوم “الوضع القائم” باعتباره مدخلًا ضروريًا لفهم هذا التحول. فجوهره أن يبقى المسجد الأقصى فضاء إسلاميًا من حيث الإدارة والوظيفة الدينية، تشرف عليه دائرة الأوقاف الإسلامية وتمارس فيه العبادة الإسلامية، بينما يسمح لغير المسلمين بالزيارة وفق ترتيبات محددة لا تنشئ حقًا تعبديًا أو سياديًا موازيًا.
ويحتل الأردن موقعًا خاصًا داخل هذا الترتيب بفعل الرعاية التاريخية للمقدسات الإسلامية في القدس والاعتراف السياسي بدوره. غير أن الدراسة تتوقف عند طبيعة الاعتراف الوارد في معاهدة وادي عربة، التي تحدثت عن احترام “إسرائيل” “الدور الأردني الخاص” في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، من دون تحديد تفصيلي للصلاحيات التنفيذية للأردن أو الأوقاف داخل المسجد، أو رسم حدود دقيقة لسلطة الشرطة الإسرائيلية في الأبواب والحركة والوصول والفتح والإغلاق.
وازداد هذا الغموض مع تفاهمات سنة 2015 التي جاءت بعد التوترات الواسعة في الأقصى وبوساطة أمريكية بين الأردن و”إسرائيل”، وأعادت تأكيد الصيغة التي تقوم على أن المسلمين يصلون في الأقصى وغير المسلمين يزورونه. وترى الدراسة أن هذه الصيغة، رغم تأكيدها اللفظي عدم تغيير الوضع القائم، أبقت زيارة غير المسلمين عمليًا تحت الإدارة الأمنية الإسرائيلية، من دون منح الأوقاف أو الوصاية الأردنية أدوات تنفيذية واضحة تحدد نطاق هذه الزيارة.
وهنا تضع الدراسة يدها على تحول بالغ الأهمية: تغير معنى “الزيارة” نفسه. فالمسألة لم تعد مجرد دخول غير المسلمين وفق ترتيبات محددة، بعدما أخذت جماعات الهيكل تدفع باتجاه توسيع أوقات الاقتحامات وإدخال النصوص الدينية وممارسة الطقوس والسعي إلى تكريس حضور تعبدي يهودي. وهكذا أصبح الغموض الذي يحيط بحدود “الزيارة” مساحة تسمح بإعادة تعريف ما يجوز فعله داخل المسجد.
وتفرق الدراسة لذلك بين مستويين للوصاية الأردنية: مستوى رسمي ودبلوماسي لا يزال قائمًا ويظهر في البيانات والاتصالات والمواقف السياسية، ومستوى تنفيذي يتعرض للتآكل. فالوصاية لا تلغى رسميًا، لكن قدرتها العملية تتراجع عندما تصبح الشرطة الإسرائيلية صاحبة القدرة على التحكم في الأبواب، وفرض الإبعاد، وتحديد الدخول والمنع، والتدخل في حركة المصلين، وإغلاق المسجد وفتحه تحت عنوان الأمن والطوارئ.
ولا يحدث هذا التحول دفعة واحدة. فالدراسة تصفه باعتباره نقلًا تدريجيًا للوظائف: إدارة الأبواب، وضبط الحضور البشري، وتنظيم الاقتحامات، والتدخل في المرافق الداخلية، ثم البحث عن أسانيد سياسية وتشريعية ومؤسسية لما نشأ من وقائع على الأرض. ولهذا تصبح الحرب مهمة ليس لأنها أوجدت تآكل الوضع القائم، وإنما لأنها أظهرت مقدار ما انتقل بالفعل من سلطة القرار.
عندما يتحول “الأمن” إلى سيادة يومية
تنظر الدراسة إلى إغلاق الأقصى خلال الحرب على إيران في هذا السياق تحديدًا. فالإغلاق، من وجهة نظرها، لا تقتصر دلالته على إجراء اتخذ في ظرف استثنائي، وإنما يتعلق بجوهر إدارة المسجد. تستطيع الأوقاف أن تظل الجهة الدينية والإدارية التاريخية، لكن الطرف الذي يملك في لحظة الطوارئ قرار تعليق وظيفة المسجد وتحديد من يستطيع الوصول إليه يصبح صاحب سلطة تنفيذية فعلية تتجاوز مجرد تأمين محيطه.
وهكذا ينتقل الأمن، وفق الدراسة، من كونه مبررًا لاتخاذ إجراء مؤقت إلى أداة لإنتاج سيادة يومية. فالشرطة الإسرائيلية لم تعد مجرد قوة موجودة خارج المسجد لمنع الاحتكاك، وإنما أصبحت فاعلًا داخل منظومة إدارته، من خلال الأبواب والإبعادات والتفتيش والحركة وتنظيم الاقتحامات والتعامل مع مظاهر العبادة.
وتشير الدراسة إلى أن هذا المسار تراكم خلال السنوات السابقة، واتسع في سياق حرب غزة والتصعيد الإقليمي، حيث اقترن الحضور الأمني المتزايد بمحاولات الحد من الوجود الإسلامي في الأقصى ومنع المسجد من أداء دوره السياسي والرمزي في التعبير عن التضامن مع غزة.
وترى أن “إسرائيل” تختبر خلال جولات التصعيد مقدار ما يمكن فرضه من دون الوصول إلى انفجار واسع. ومن ثم فإن الإغلاق الكامل، وتقييد الدخول، والتحكم في الأبواب، والتدخل في حركة المصلين، ليست أحداثًا مستقلة؛ فالاستثناء الذي يتكرر يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى أسلوب إدارة، والسابق المؤقت يمكن استدعاؤه مرة أخرى في أزمة لاحقة، إلى أن يصبح ما كان استثنائيًا أمرًا شبه اعتيادي.
وهنا تكمن، بحسب الدراسة، إحدى أهم وظائف الحرب والطوارئ: إنها تمنح السلطات الإسرائيلية ظرفًا يسمح بتجريب إجراءات يصعب تمريرها في الأوضاع العادية، ثم تضيق تدريجيًا المسافة بين “الإجراء الأمني المؤقت” و”الحق السيادي الدائم”. وبالتالي فإن القضية ليست عدد الأيام التي أغلق فيها المسجد فقط، وإنما السابقة التي ينشئها الإغلاق وإمكان استدعائها مستقبلًا باعتبارها ممارسة سبق تنفيذها.
من “الزيارة” إلى العبادة
لكن إعادة تشكيل الوضع القائم لا تتوقف عند سلطة فتح المسجد وإغلاقه. وتمنح الدراسة مساحة واسعة للتحول الجاري في طبيعة الحضور الديني نفسه، من خلال مسارين يسيران في اتجاهين متعاكسين: تقييد الحضور الإسلامي، وتوسيع الحضور اليهودي المنظم.
ففي الجانب الأول ترصد الدراسة ملاحقة المرابطين، وإبعاد المصلين، وتقييد حركة الحراس وموظفي الأوقاف، والتدخل في الدروس والخطب والأنشطة الدينية. وهي لا تقرأ هذه الإجراءات باعتبارها مجرد تدابير لضبط الأمن، وإنما ترى فيها إضعافًا للوجود البشري الإسلامي الذي يحافظ عمليًا ورمزيًا على الوظيفة الإسلامية للمكان.
وفي الاتجاه الآخر، شهدت الاقتحامات اليهودية تغيرًا في طبيعتها. فلم تعد المسألة مقتصرة على دخول مجموعات إلى ساحات المسجد تحت حماية الشرطة، بل ظهرت ممارسات تعبدية أكثر وضوحًا وتنظيمًا، تشير الدراسة منها إلى السجود والانبطاح والغناء والرقص الجماعي وحمل النصوص والصلوات المطبوعة. ومن هنا ينتقل الاقتحام تدريجيًا من مفهوم “الزيارة” الذي قام عليه الوضع القائم إلى مفهوم “العبادة”.
وتتوقف الدراسة خصوصًا أمام قرار الشرطة السماح لليهود الصاعدين إلى المسجد بحمل أوراق صلاة مطبوعة، وكذلك تمديد ساعات الزيارة خلال شهر رمضان. فالتحول هنا لا يكمن في الورقة أو الدقائق الإضافية في ذاتها، وإنما في أن الشرطة تنتقل من مجرد التغاضي عن بعض الممارسات إلى تنظيمها وتسهيلها. وحمل نصوص الصلاة يعني عمليًا قبول إمكان ممارستها، بينما يعني تمديد الساعات أن الزمن المخصص للحضور اليهودي أصبح هو الآخر قابلًا للتوسع.
وترى الدراسة أن جماعات الهيكل تنظر إلى الاقتحامات بهذه الطريقة التراكمية؛ فهي ليست الغاية النهائية، وإنما وسيلة لإعادة تعريف العلاقة اليهودية بالمكان. ولذلك تتجاوز مطالب هذه الجماعات زيادة أعداد المقتحمين إلى توسيع الأوقات وإضافة فترات جديدة وإدخال الأدوات الدينية وتثبيت الصلاة العلنية، وربط ذلك كله بمفهوم السيادة الإسرائيلية على القدس والأقصى.
وبذلك يصبح الصراع على الأقصى صراعًا على الزمن والحضور والوظيفة، لا على الدخول وحده. فكل انتقال من زيارة إلى صلاة، ومن ممارسة فردية إلى طقس جماعي معلن، ومن وقت محدود إلى ساعات أطول، ينتج واقعًا جديدًا يمكن البناء عليه في الخطوة التالية.
المصلون يغادرون بعد أداء صلاة الجمعة أمام مدخل المسجد الأقصى عند باب الأسباط في البلدة القديمة (غيتي)
اقتحام الجمعة.. عندما ينتقل المشروع إلى داخل الحكومة
تظهر هذه النقلة بصورة أكثر وضوحًا في مسيرة الأعلام ومحاولة فتح المسجد للاقتحامات يوم الجمعة. فالدراسة ترى مسيرة الأعلام أداة لإنتاج خطاب السيادة الإسرائيلية في القدس، وليست مجرد احتفال قومي سنوي. وربطها بالأقصى يجعل المناسبة القومية وسيلة لاختبار حدود الوضع القائم ومحاولة توسيعها.
وتكتسب محاولة الاقتحام يوم الجمعة أهمية أكبر؛ لأن هذا اليوم ظل مرتبطًا بكثافة الحضور الإسلامي وصلاة الجمعة، ولم يكن الأقصى يفتح فيه عادة للاقتحامات. ومن ثم فإن كسر هذا الحاجز لا يعني إضافة يوم جديد إلى جدول الزيارات فقط، بل تغيير توزيع الزمن الديني نفسه داخل المسجد.
وتستند الدراسة هنا إلى عريضة وقعها 22 سياسيًا إسرائيليًا، بينهم وزراء بارزون، للمطالبة بفتح المسجد أمام اقتحامات المستوطنين يوم الجمعة 15 مايو/أيار 2026، بالتزامن مع الذكرى العبرية لاحتلال القدس. وتعد هذه العريضة مؤشرًا مهمًا؛ لأن المطالبة لم تعد صادرة فقط عن جماعات الهيكل، وإنما انتقلت إلى سياسيين ووزراء وأعضاء كنيست من الليكود والصهيونية الدينية.
والأكثر دلالة أن المطالبة ربطت فتح الأقصى بما يعبر عن “سيادة “إسرائيل” على القدس”. وهنا، وفق الدراسة، تسقط المسافة بين الفعل الديني والفعل السياسي؛ فالاقتحام يصبح إعلانًا عن السيادة، وإعادة ترتيب زمن المسجد تصبح أداة سياسية لإثبات القدرة على تغيير قواعده.
كما تكشف هذه التطورات عن تنافس داخل اليمين الإسرائيلي نفسه. فبعد ارتباط الدفع لتغيير قواعد الأقصى بإيتمار بن غفير وجماعات الهيكل، تشير الدراسة إلى دخول قوى أوسع من الليكود والحكومة إلى هذا المجال، بما يعني أن الملف ينتقل من مطلب أيديولوجي تضغط به جماعات خارج مركز القرار إلى جزء من التنافس السياسي داخل المؤسسة الحاكمة.
من الوقائع الميدانية إلى القانون
لا تتوقف الدراسة عند الأمن والاقتحامات، وإنما ترى أن المرحلة الأكثر خطورة تبدأ عندما تسعى “إسرائيل” إلى منح التحولات الميدانية غطاء قانونيًا ومؤسسيًا يجعلها أكثر ثباتًا.
وفي هذا السياق تتناول مشروع تعديل “قانون الأماكن المقدسة”، الذي تشير إلى الموافقة عليه بالقراءة الأولى في الكنيست في 25 فبراير/شباط 2026. وتربط أهمية المشروع بإمكان توسيع دور الحاخامية الرسمية الإسرائيلية في تحديد مفهوم “التدنيس” في الأماكن التي تعد مقدسة يهوديًا.
وتنبع المشكلة، وفق الدراسة، من أن القانون الأصلي لا يقدم تحديدًا حاسمًا للأماكن المقدسة ولا للجهة التي تملك سلطة تعريفها ولا للمرجعية النهائية في تحديد معنى التدنيس، وهو ما يفتح مجالًا لأن يمتد تأثير التعديل مستقبلًا إلى فضاءات متنازع عليها، ومن بينها المسجد الأقصى، حتى إذا لم يذكر صراحة عند تمرير التشريع.
وتلفت الدراسة إلى أن المدخل يبدو في ظاهره بعيدًا عن الأقصى، لأن جزءًا من النقاش يتعلق بالصلاة اليهودية عند حائط البراق والخلافات بين التيارات اليهودية بشأنها، لكن إنشاء مرجعية دينية رسمية تمتلك سلطة أوسع في تعريف “المقدس” و”التدنيس” يمكن أن ينتج أداة قانونية قابلة للتوسع إلى مناطق أخرى.
كما تربط الدراسة هذا المسار بما يجري في ساحة البراق، وبمحاولات التدخل في مرافق داخل الأقصى، ومنها دار الحديث قرب باب الرحمة ورفض إعادة تركيب قفل جديد لها بعد كسره. وهي ترى أن جمع هذه الإجراءات مع تمديد ساعات الاقتحام وتوسيع الطقوس ومحاولات تعديل التشريع يكشف بناءً متعدد الأدوات: السيطرة على الزمن، والمداخل، والمرافق، ثم منح هذه السيطرة سندًا قانونيًا ومؤسسيًا.
ولا يقف الأمر عند حدود المسجد. ففي مايو/أيار 2026، تشير الدراسة إلى إقرار الحكومة الإسرائيلية تشكيل لجنة حكومية مشتركة لدراسة ملفات عقارية في البلدة القديمة، مع اهتمام خاص بطريق باب السلسلة المؤدي إلى الأقصى، استنادًا إلى أوامر مصادرة قديمة ترجع إلى أواخر ستينيات القرن الماضي ولم ينفذ بعضها بسبب استمرار وجود العائلات والتجار والمؤسسات في العقارات ورفض الإخلاء أو التعويض.
وتقرأ الدراسة إعادة فتح الملف بعد نحو ستة عقود باعتبارها توسيعًا لمجال السيطرة: من إدارة المسجد والزمن الديني داخله إلى إعادة تشكيل الحيز العمراني المحيط به، بما يشمل الطرق والأسواق والمداخل والسكان. ومن ثم يصبح تفريغ الوضع القائم عملية مكانية أيضًا، وليس دينية وإدارية فقط.
وهكذا تتجمع أمام الدراسة حلقات المسار: إجراء أمني يمكن تقديمه باعتباره استثناء، واقتحام يبدأ كزيارة، وطقس يسمح به تدريجيًا، وقرار إداري يوسع الزمن أو التدخل، ثم تشريع أو مؤسسة تمنح ما تحقق على الأرض أساسًا أكثر رسوخًا. والمحصلة ليست إعلانًا واحدًا يقول إن الوضع القائم انتهى، وإنما تحويله بالتدريج إلى إطار يحمل الاسم القديم ويعمل بقواعد جديدة.
الشيخ عزام الخطيب، مدير الأوقاف الإسلامية في القدس (الثالث من اليسار)، بجوار الشيخ عمر الكسواني (الرابع من اليسار)، مدير المسجد الأقصى، أثناء سيرهما في ساحة قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى (الفرنسية)
الوصاية باقية في الخطاب
تصل الدراسة، بعد تتبع التحولات الأمنية والدينية والتشريعية، إلى أن الوصاية الأردنية ودائرة الأوقاف لا تواجهان في المرحلة الراهنة قرارًا إسرائيليًا معلنًا بالإلغاء، وإنما مسارًا أكثر تعقيدًا يقوم على الإبقاء على المؤسسة وتقليص الوظيفة. فإلغاء الوصاية رسميًا قد يرتب على “إسرائيل” كلفة سياسية ودينية كبيرة، ويفتح مواجهة مباشرة مع الأردن والفلسطينيين، بينما يسمح بقاؤها من الناحية الشكلية باستمرار الإطار الدبلوماسي المعروف، في الوقت الذي تنتقل فيه أدوات الإدارة والقرار تدريجيًا إلى الشرطة والمؤسسات الإسرائيلية.
وتظهر الفجوة بين الشكل والوظيفة في التفاصيل اليومية لإدارة المسجد. فالأوقاف تظل موجودة، ويظل الأردن صاحب “الدور الخاص” المعترف به سياسيًا، لكن قيمة هذا الدور تتراجع كلما أصبحت القرارات الحاسمة في يد جهة أخرى: من يفتح الأبواب، ومن يغلقها، ومن يسمح له بالدخول، ومن يمنع أو يبعد، وكيف يجري التفتيش، ومتى تبدأ الاقتحامات وتنتهي، وما الذي يسمح للمقتحمين بممارسته داخل المسجد.
ولا يقتصر التآكل على الأبواب والوصول؛ إذ ترصد الدراسة استهداف الحراس وموظفي الأوقاف، والتدخل في الدروس والخطب والأنشطة الدينية، ومحاولات تقليص قدرة الأوقاف على حماية النظام الداخلي للمسجد. وبذلك تبقى الأوقاف عنوانًا إداريًا قائمًا، لكنها تجد نفسها مقيدة عند نقاط الاحتكاك الحقيقية مع القرار الأمني الإسرائيلي.
ويصبح هذا التراجع أكثر خطورة لأنه يحدث في الاتجاه المعاكس تمامًا لتطور وضع جماعات الهيكل. ففي الوقت الذي تضيق فيه قدرة الأوقاف على التحكم في تفاصيل المكان، تتسع الاقتحامات والطقوس اليهودية، وتزداد قدرة الشرطة على تحديد ما يسمح به داخل المسجد. أي إن المسألة ليست مجرد خسارة طرف بعض صلاحياته، وإنما إعادة توزيع للصلاحيات والحضور: تراجع في قدرة المؤسسة التي يفترض أن تدير المسجد، يقابله توسع في سلطة الشرطة وفي المجال المتاح للمقتحمين.
ومن هنا ترى الدراسة أن الإبقاء على الوصاية بصورتها الحالية قد يكون، في هذه المرحلة، أكثر فائدة لـ “إسرائيل” من إلغائها؛ فهو يجنبها كلفة إعلان تغيير جذري في وضع المسجد، بينما يسمح لها بتحقيق جانب مهم من هذا التغيير عمليًا. فالوصاية تظل حاضرة في الاتصالات والبيانات والمواقف الدبلوماسية، لكن معيار قوتها الحقيقي يصبح مقدار ما تستطيع تنفيذه داخل المسجد، لا مقدار الاعتراف السياسي بها خارجه.
وهذا يعيد الدراسة إلى فكرتها الأساسية: ليس ضروريا أن يختفي الوضع القائم قانونيًا أو سياسيًا حتى يفقد مضمونه. وقد يكون الإبقاء على بنيته الاسمية جزءًا من الطريقة التي يجري بها تغييره، لأن بقاء الاسم يقلل كلفة التحول بينما تتغير الوظائف التي كان الاسم يعبر عنها.
إلى أين يتجه الأقصى؟
لا تتوقع الدراسة أن يسير التحول عبر قرار واحد يحسم مستقبل المسجد، بل ترجح استمرار الطريقة نفسها التي اتبعت حتى الآن: خطوات صغيرة ومتراكمة، تتداخل فيها الإجراءات الأمنية مع الاقتحامات الدينية والغطاء السياسي والتحركات التشريعية والمؤسسية.
والسيناريو الأكثر ترجيحًا لديها هو استمرار التآكل التدريجي للوضع القائم. ف”إسرائيل” تستطيع، وفق هذا المسار، تحقيق مكاسب متتابعة من دون تحمل الكلفة التي قد تترتب على إعلان تقسيم المسجد أو إلغاء الوصاية الأردنية أو تغيير وضعه بصورة رسمية. ويصبح كل إجراء جديد امتدادًا لما سبقه، ثم يتحول مع التكرار إلى واقع يمكن الانطلاق منه نحو الخطوة التالية.
وتكمن قوة هذا المسار في أنه لا يقدم لحظة واحدة يسهل تحديدها باعتبارها لحظة الانقلاب على الوضع القائم. فقد يكون التغيير تمديدًا لوقت الاقتحام، أو السماح بطقس كان ممنوعًا، أو قرارًا شرطيًا جديدًا، أو تقييدًا إضافيًا لصلاحيات الأوقاف، أو توسيعًا لمفهوم الأمن. وكل إجراء بمفرده يمكن تقديمه باعتباره محدودًا، لكن جمع الإجراءات يكشف تغيرًا في بنية إدارة المكان.
ولهذا ترى الدراسة أن التآكل التدريجي أكثر احتمالًا من الانتقال الفوري إلى تغيير رسمي شامل؛ فهو يتيح توسيع السيطرة مع اختبار ردود الفعل الفلسطينية والأردنية والعربية والدولية في كل مرحلة.
لكن الدراسة لا تستبعد قفزة تصعيدية تقطع هذا التدرج في لحظة معينة. وقد تأتي هذه القفزة مرتبطة بمناسبة قومية إسرائيلية مثل مسيرة الأعلام، أو بمحاولة فتح المسجد للاقتحامات يوم الجمعة، أو بتشريع يمنح الحاخامية أو مؤسسة إسرائيلية رسمية صلاحيات أوسع في تحديد مفاهيم “المقدس” و”التدنيس”، أو بحدث أمني كبير تستخدمه “إسرائيل” مبررًا لاتخاذ إجراءات لم يكن من الممكن فرضها في الظروف العادية.
وتنبه الدراسة هنا إلى أن خطورة القفزة التصعيدية لا تتوقف على استمرارها. فإذا فتح الأقصى مثلًا أمام الاقتحامات يوم الجمعة ثم توقف ذلك لاحقًا، فقد تكون السابقة نفسها قد أصبحت جزءًا من الخيارات المتاحة لـ “إسرائيل”. وينطبق الأمر على إدخال أدوات دينية جديدة أو إضافة فترة اقتحام مسائية أو غير ذلك من التغييرات؛ فالتراجع عن الإجراء لا يمحو حقيقة أنه نفذ مرة وأصبح قابلًا للاستدعاء.
ومن ثم فإن “المؤقت” يحتفظ بأثره حتى بعد انتهائه، لأنه يوسع حدود الممكن. وهذه الفكرة نفسها التي استخدمتها الدراسة في تفسير إجراءات الحرب والطوارئ: ما يفرض في لحظة استثنائية قد يصبح سابقة تستخدم في لحظة لاحقة، ثم يتكرر إلى أن يفقد صفته الاستثنائية.
ولهذا لا ترى الدراسة تناقضًا بين سيناريو التآكل التدريجي واحتمال القفزات التصعيدية. فالأقرب، في تقديرها، أن يستمر التدرج بوصفه المسار العام، وتتخلله قفزات في اللحظات التي تتيح فيها الظروف الأمنية أو السياسية أو الدينية دفع الحدود خطوة أكبر إلى الأمام. وهي تخلص صراحة إلى أن السيناريو الأرجح في المدى القريب هو استمرار التآكل التدريجي، مع احتمال هذه القفزات في مسيرة الأعلام والأعياد اليهودية والأزمات الأمنية والتطورات التشريعية.
كيف نعرف أن الوضع القائم يتغير؟
لهذا السبب لا تدعو الدراسة إلى انتظار إعلان سياسي إسرائيلي بشأن مستقبل الأقصى، وإنما إلى مراقبة مجموعة من المؤشرات التي تكشف التغيير قبل أن يتحول إلى واقع مكتمل.
فالاقتحامات لا ينبغي قياسها بالعدد وحده، وإنما بنوعها وتوقيتها وما يحدث خلالها. هل تتسع الساعات المخصصة لها؟ هل تضاف فترات جديدة؟ هل يجري الاقتراب من يوم الجمعة؟ هل تتحول الصلاة الفردية إلى طقوس جماعية؟ هل يسمح بإدخال النصوص والأدوات الدينية؟ وهل تنتقل بعض الممارسات من التغاضي الشرطي إلى السماح والتنظيم؟
ويأتي الحضور الإسلامي في الجهة المقابلة من المعادلة. فزيادة الإبعادات، وتقييد الدخول، وربط الوصول بالعمر أو الهوية أو الظرف الأمني، والتدخل في الدروس والخطب، والتضييق على الحراس والمرابطين وموظفي الأوقاف، كلها مؤشرات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها وقائع أمنية منفصلة، وإنما قياس أثرها التراكمي في توازن الحضور داخل المسجد.
كما تضع الدراسة القرارات الشرطية في موقع مركزي في عملية الرصد؛ لأن جانبًا كبيرًا من التغيير لا يحتاج إلى قانون جديد. فالشرطة تستطيع، من خلال تنظيم الأبواب والأوقات والحركة والإبعاد والتفتيش، أن تحدث تغيرات فعلية في إدارة المكان قبل وصول المسألة إلى التشريع.
لكن التشريع يظل مؤشرًا بالغ الأهمية، خصوصًا عندما يتحرك في اتجاه منح المؤسسات الدينية أو السياسية الإسرائيلية صلاحيات تتصل بتعريف المكان المقدس أو تنظيمه. ولذلك يصبح من الضروري، وفق منطق الدراسة، متابعة مشروعات القوانين لا باعتبارها ملفات قانونية منفصلة، وإنما باعتبارها احتمالًا لتحويل ما يجري ميدانيًا إلى بنية أكثر ثباتًا.
وينطبق ذلك على وضع الأوقاف نفسها: هل تستطيع اتخاذ قراراتها داخل المسجد؟ ما مقدار سلطتها على الحراس والمرافق؟ هل تستطيع تنفيذ أعمال الصيانة؟ وما الذي يحدث عندما تتعارض قراراتها مع قرار الشرطة؟ فهذه التفاصيل تكشف مقدار ما تبقى من الوظيفة التنفيذية للوصاية بصورة أدق من البيانات السياسية التي تؤكد استمرارها.
ولهذا تقترح الدراسة بناء آلية رصد فلسطينية وعربية دورية لا تجمع أعداد المقتحمين فقط، وإنما تتابع الاقتحامات والطقوس والإبعادات والقرارات الشرطية والتشريعات ووضع الأوقاف والتغيرات التي تطرأ على المرافق الداخلية للمسجد.
فالمؤشرات، إذا جمعت في مسار زمني، تسمح بالإجابة عن السؤال الذي تعتبره الدراسة حاسمًا للمرحلة المقبلة: هل تواصل “إسرائيل” سياسة التدرج، أم أن التراكم وصل إلى مرحلة الانتقال إلى خطوات نوعية أوسع لإعادة تشكيل الوضع القائم؟
الخطر ليس في الاقتحام وحده
تنتهي الدراسة إلى أن النظر إلى كل اقتحام أو إغلاق أو إبعاد باعتباره واقعة قائمة بذاتها يحجب طبيعة التحول الجاري. فما يحدث، وفق خلاصتها، هو مسار لإعادة تشكيل الوضع القائم من الداخل؛ فلا تعلن “إسرائيل” إلغاء الترتيبات التاريخية، وإنما تفرغها تدريجيًا من محتواها العملي عبر السيطرة على قرار الفتح والإغلاق، وتنظيم الوصول، وتقييد الحضور الإسلامي، وتوسيع الطقوس اليهودية، وتقليص الدور التنفيذي للأوقاف، ثم إسناد هذه التحولات سياسيًا وتشريعيًا ومؤسسيًا.
وتصبح الحرب والطوارئ في هذا السياق عامل تسريع، لا نقطة بداية. فالإغلاق خلال الحرب يكشف بصورة مكثفة أين توجد سلطة القرار عند لحظة الحسم، لكنه يأتي فوق مسار سبق أن راكم أدوات السيطرة الأمنية والشرطية.
كما ترى الدراسة أن انتقال مطالب جماعات الهيكل إلى داخل المؤسسة السياسية يمثل تحولًا نوعيًا آخر؛ لأن القضية لم تعد ضغطًا تمارسه جماعات دينية على الحكومة من الخارج. وعندما يتبنى وزراء وسياسيون توسيع الاقتحامات ويربطونها بالسيادة الإسرائيلية، يصبح التغيير في الأقصى جزءًا من مشروع سياسي يجد ممثلين له داخل مركز القرار.
وفي الوقت نفسه تواجه الوصاية الأردنية والأوقاف تراجعًا في القدرة التنفيذية رغم استمرار حضورهما الرمزي والدبلوماسي. فالوصاية لا تحتاج إلى قرار بإلغائها لكي تضعف؛ يكفي أن تنتقل الوظائف التي تمنحها معناها العملي إلى الشرطة الإسرائيلية، ولا سيما في الأبواب والإبعادات والتفتيش وتنظيم الدخول والتعامل مع الحراس والمرافق وقرار الفتح والإغلاق.
ومن هنا ترفض الدراسة التعامل مع الأقصى باعتباره ملفًا دينيًا موسميًا يستدعى عند وقوع اقتحام كبير أو في شهر رمضان أو عند اندلاع مواجهة. وتدعو إلى التعامل معه باعتباره ملفًا سياسيًا واستراتيجيًا دائمًا، لأن التغيير نفسه دائم ومتدرج، ويمكن أن يستمر في الفترات التي يبدو فيها المسجد بعيدًا عن صدارة الأخبار.
وتدعو كذلك إلى تطوير خطاب فلسطيني وعربي يقوم على مفهوم “إفراغ الوضع الراهن من مضمونه”؛ لأن التركيز على كل انتهاك بمفرده لا يكشف الاتجاه العام ما لم يوضع ضمن العلاقة التي تجمع الأمن والطقوس والتشريع والوصاية والسيادة.
وتخص الدراسة الدور الأردني بتوصية واضحة تتجاوز الاحتجاج الدبلوماسي إلى تفعيل الصلاحيات التنفيذية، بالتوازي مع الرصد الفلسطيني والعربي المنتظم للتحولات التي تطرأ على المسجد. فالوصاية، وفق منطق الدراسة، لا تقاس باستمرار الاعتراف الإسرائيلي أو الدولي بها فقط، وإنما بقدرتها الفعلية على أداء الوظائف التي يفترض أن تتولاها.
وتنتهي الورقة إلى أن مواجهة المسار لا تكون بالتصدي لكل اقتحام باعتباره حادثة منفصلة، وإنما بفهم طبيعة المشروع الذي يجمع هذه الحوادث. فالسيناريو الأكثر ترجيحًا ليس قرارًا إسرائيليًا غدًا بإعلان نهاية الوضع القائم، بل استمرار تفريغه خطوة بعد أخرى، مع قفزات أكبر كلما أتيحت فرصة أمنية أو سياسية أو تشريعية.
وفي المحصلة يصبح الصراع على الأقصى، كما تقدمه الدراسة، صراعًا على من يدير المكان، ومن يحدد زمنه، ومن يملك حق الحضور والعبادة فيه، ومن يضع قواعده، ومن يمتلك في لحظة الحسم القرار السيادي بشأنه.
by الناشر | 29 July 2026 | إقليمي ودولي
في وقت يواصل فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تقديم نفسه على أنه الضامن الأول لأمن “إسرائيل”، تتزايد الانتقادات الموجهة إليه من الداخل والخارج، وسط تحذيرات من أن سياساته تجاه الفلسطينيين لم تعد تهدد فرص السلام فحسب، بل أصبحت تمثل تحديا لاستقرار “إسرائيل” ذاتها.
وبينما تتهمه أصوات إسرائيلية بارزة بالتساهل مع عنف المستوطنين وتقويض سيادة القانون، يرى محللون أن فلسفته السياسية القائمة على إدارة الصراع بدلا من حله أوصلت المنطقة إلى واحدة من أخطر مراحلها، في حين تكشف استطلاعات الرأي الأمريكية عن تراجع ملحوظ في مستوى التأييد الشعبي الذي كان يتمتع به داخل الولايات المتحدة.
وترى صحيفة نيويورك تايمز -في مقال للكاتب بريت ستيفنز- أن أخطر ما تواجهه “إسرائيل” اليوم لا يقتصر على التهديدات الخارجية، وإنما يتمثل في تصاعد اعتداءات المستوطنين المتطرفين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وما تصفه الصحيفة بتردد حكومة نتنياهو في التصدي لهذه الظاهرة.
ويؤكد ستيفنز أن الدفاع عن “إسرائيل” لا يعني تجاهل أخطائها، لأن استمرار العنف ضد الفلسطينيين يقوض أسس الدولة الإسرائيلية نفسها، ويهدد أمنها ومستقبلها بقدر ما يسيء إلى صورتها الدولية.
ويستند الكاتب إلى رسالة بعث بها الجنرال الإسرائيلي المتقاعد ماتان فيلنائي، نيابة عن مئات من كبار الضباط السابقين إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، حذر فيها من أن أجهزة الأمن الإسرائيلية تواجه قيودا سياسية عندما يتعلق الأمر بملاحقة المتطرفين اليهود، رغم نجاحها في التعامل مع التنظيمات الفلسطينية المسلحة.
وترى الرسالة أن بعض الوزراء يوفرون غطاء سياسيا للمستوطنين المتشددين، مما ينذر بإشعال الضفة الغربية وتهديد المصالح الأمنية لكل من “إسرائيل” والولايات المتحدة.
وتشير نيويورك تايمز إلى أن الاعتداءات الأخيرة التي شملت إحراق منازل ومساجد ومنشآت فلسطينية، لم تعد أحداثا استثنائية، بل أصبحت ظاهرة متكررة.
نتنياهو عارض اتفاقات أوسلو، وعمل على إضعاف السلطة الفلسطينية، ووسع الاستيطان، وسعى إلى إدارة الصراع بدلا من إنهائه، انطلاقا من اعتقاده بأن القضية الفلسطينية يمكن احتواؤها إلى أجل غير مسمى
ويرى ستيفنز أن تبرير نتنياهو لهذه الاعتداءات بوصفها أعمالا يرتكبها عدد محدود من “المنحرفين” لا ينسجم مع واقع الدولة الإسرائيلية وقدراتها الأمنية، مؤكدا أن حكومةً تستطيع تنفيذ عمليات معقدة خارج حدودها قادرة أيضا على فرض القانون داخل الأراضي التي تسيطر عليها إذا توافرت الإرادة السياسية.
ويعزو الكاتب هذا التردد إلى طبيعة الائتلاف الحاكم الذي يعتمد على دعم أحزاب اليمين الديني والقومي المتشدد، وفي مقدمتها القوى التي يمثلها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش.
ويرى أن نتنياهو فضّل الحفاظ على تماسك حكومته بدلا من الدخول في مواجهة مع هذه التيارات، حتى وإن كان الثمن إضعاف هيبة القانون وتعميق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.
ويحذر ستيفنز من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى تآكل سلطة الدولة وتحول جماعات مختلفة إلى مراكز قوة مستقلة، بما يهدد مستقبل “إسرائيل” على المدى البعيد.
ومن زاوية أشمل، يرى أستاذ الفلسفة في جامعة تل أبيب عساف شارون -في مقال نشرته مجلة فورين بوليسي- أن الأزمة الراهنة ليست وليدة الحرب الحالية، بل تمثل النتيجة الطبيعية لنهج سياسي تبناه نتنياهو منذ عقود، يقوم على منع قيام دولة فلسطينية والإبقاء على الوضع القائم باعتباره الخيار الأقل كلفة بالنسبة لـ “إسرائيل”.
ويؤكد شارون أن نتنياهو عارض اتفاقات أوسلو، وعمل على إضعاف السلطة الفلسطينية، ووسّع الاستيطان، وسعى إلى إدارة الصراع بدلا من إنهائه، انطلاقا من اعتقاده بأن القضية الفلسطينية يمكن احتواؤها إلى أجل غير مسمى.
لكن الكاتب يرى أن هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبه من حرب في غزة نسفا هذه الفرضية بالكامل، إذ أثبتا أن الصراع لا يمكن تجميده أو تجاهله، وأن استمرار الاحتلال وتوسيع المستوطنات لا يؤديان إلى الاستقرار، بل إلى انفجارات متكررة تتجاوز آثارها حدود الأراضي الفلسطينية لتشمل المنطقة بأسرها.
ويضيف أن “إسرائيل” وجدت نفسها بعد الحرب أكثر عزلة، في حين امتدت المواجهات إلى لبنان وتصاعد التوتر مع إيران، وهو ما يكشف حدود الرهان على القوة العسكرية وحدها.
وانتقدت فورين بوليسي كذلك تجاهل نتنياهو للمبادرات السياسية، وعلى رأسها مبادرة السلام العربية التي طرحتها الدول العربية عام 2002، والتي عرضت إقامة علاقات طبيعية مع “إسرائيل” مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
ويرى شارون أن هذه المبادرة كانت توفر إطارا إقليميا يمكن أن يعزز أمن “إسرائيل” ويحد من نفوذ القوى المتشددة في المنطقة، إلا أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تتعامل معها بجدية، مفضلة استمرار إدارة الأزمة على البحث عن تسوية دائمة.
ويخلص الكاتب إلى أن أي مخرج حقيقي من دوامة الصراع لن يتحقق إلا من خلال إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الجهود السياسية، ضمن إطار إقليمي يشارك فيه العرب والإسرائيليون والفلسطينيون معا.
وفي موازاة هذه الانتقادات، يرصد موقع “ذا هيل” تحولا لافتا في الرأي العام الأمريكي عن نتنياهو، فبحسب استطلاع أجرته مؤسسة إيكونوميست بالتعاون مع يوغوف، يؤيد 49% من الأمريكيين تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي، مقابل 27% يعارضون ذلك، في حين أبدى الباقون عدم يقينهم.
كما أظهر الاستطلاع أن 47% من المشاركين يعتقدون أن نتنياهو ارتكب جرائم حرب في غزة، وهي مؤشرات تعكس تراجعا واضحا في مستوى التعاطف الشعبي الأمريكي معه مقارنة بالسنوات الماضية.
ويشير تقرير “ذا هيل” إلى أن الجدل تصاعد بعد تصريحات عمدة نيويورك زهران ممداني التي قال فيها إن سلطات المدينة لا تملك صلاحية تنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، لكنه دعا الحكومة الفدرالية إلى اتخاذ موقف منها.
كما يوضح التقرير أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” ليستا طرفين في نظام روما المؤسس للمحكمة، وهو ما يضفي على القضية أبعادا قانونية وسياسية معقدة، لكنها تعكس في الوقت نفسه تنامي الضغوط على نتنياهو داخل الساحة الأمريكية.
ورغم اختلاف زوايا التناول، فإن المصادر الثلاثة تلتقي عند نتيجة واحدة، وهي أن الأزمة التي تواجهها “إسرائيل” اليوم لم تعد مرتبطة بالحرب في غزة وحدها، بل أصبحت تمس طبيعة الدولة نفسها، ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين، ومكانة “إسرائيل” في المجتمع الدولي.
وبينما تحذر نيويورك تايمز من أن التساهل مع عنف المستوطنين يهدد سيادة القانون، ترى فورين بوليسي أن فلسفة نتنياهو السياسية وصلت إلى حدودها القصوى بعد أن أخفقت في تحقيق الأمن والاستقرار، في حين يكشف استطلاع “ذا هيل” أن صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي لدى الرأي العام الأمريكي أصبحت أكثر إثارة للجدل من أي وقت مضى.
وفي ضوء هذه التطورات، تبدو “إسرائيل” مقبلة على مرحلة قد تفرض مراجعة عميقة لسياساتها، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية لإعادة النظر في المسار الذي اتبعته حكومات نتنياهو طوال السنوات الماضية.
by الناشر | 29 July 2026 | إقليمي ودولي
وسط الركام الذي خلفته الحرب في قطاع غزة، اختارت نساء فلسطينيات أن يحولن الألم إلى أمل، والخسارة إلى بداية جديدة.
فمن بين مدارس ترمم رغم المرض، وعدسات تواصل توثيق ابتسامات الأطفال رغم الفقد، ومشاغل صغيرة تحفظ التراث وتمنح النساء مصدر رزق، تتشكل مبادرات ذات طابع إنساني واجتماعي تؤكد أن الصمود لا يكون بالسلاح وحده، بل أيضا بالإصرار على حماية الإنسان، والتعليم، والهوية، في مواجهة واقع يسعى إلى سلب الفلسطينيين تفاصيل حياتهم.
ويشير تقرير مراسلة الجزيرة من غزة نور خالد إلى مواصلة أمل أبو عاصي ترميم مدرستها “غرس” في مدينة غزة، رغم إصابتها بمرض السرطان، وإيمانها بأن التعليم هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأطفال الذين حرمتهم الحرب من أبسط حقوقهم.
وتقول أبو عاصي إن رسالتها تتجاوز إدارة مدرسة، موضحة “لدينا هنا في غرس يقين مطلق، لأننا لا ندير مدرسة، وإنما نحن نفاوض المستقبل على صورة الإنسان الذي نريد. هذا الوطن يستحق منا أن نبذل الغالي والنفيس من أجله، وإن هؤلاء الأطفال يليق بهم مستقبل أكبر وأجمل وأوسع مما عشناه”.
وفي مكان آخر من المدينة، تخوض نهروان برزق معركتها الخاصة مع الفقد، بعدما استشهد زوجها وشريكها في مشروع التصوير الفوتوغرافي، لتجد نفسها أمام مسؤولية استكمال الحلم الذي بدأه الاثنان معا.
وتقول نهروان إنها مضطرة إلى مواصلة الطريق الذي انطلقا فيه من الصفر، مضيفة أن مشروعهما أصبح اليوم “وجه غزة الحلو”، في محاولة لتوثيق لحظات الأطفال ومنحهم صورا تعكس وجها مختلفا عن قسوة الحرب.
ولا تقتصر هذه المبادرات على التعليم أو التصوير، إذ تعمل مشاريع نسائية أخرى على تمكين النساء اقتصاديا واجتماعيا، رغم التحديات اليومية التي فرضتها الحرب.
وتصف إحدى القائمات على هذه المشاريع التحول الذي فرضه الواقع بالقول “قبل الحرب كانت الحياة مفتوحة معنا، ونستطيع أن نعمل أي شيء يخطر على بالنا، لكن في ظل ظروف الحرب أصبحنا نحفر في الصخر”.
وتوضح سيدات يعملن في هذه المبادرات أن الهدف لم يعد تحقيق الربح فقط، بل مساعدة النساء على إطلاق مشاريعهن الخاصة في تصميم الأزياء والخياطة والمطرزات، بما يحافظ على التراث الفلسطيني ويعزز الهوية الوطنية من خلال الملابس والتطريزات التي تحمل رموزها الثقافية.
وتعكس هذه المشاريع، بحسب القائمات عليها، إيمانا بأن الحفاظ على الهوية وتمكين المرأة جزء من معركة البقاء، وأن أدوات بسيطة كالإبرة والخيط يمكن أن تتحول إلى وسيلة لحماية الذاكرة الجماعية وخلق فرص جديدة للحياة.
وفي غزة، حيث تتآكل الأدوات وتضيق الخيارات، تبدو هذه المبادرات أكثر من مجرد أعمال أو مصادر دخل؛ فهي رسائل إنسانية تؤكد أن الإصرار على التعليم، وتمكين النساء، ورسم الابتسامة على وجوه الأطفال، هو شكل آخر من أشكال الصمود، وإثبات أن الحياة قادرة على أن تجد طريقها حتى في أكثر الأماكن قسوة.