by الناشر | 21 July 2026 | أخبار لبنان
عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اجتماعا في البيت الأبيض مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، في أول قمة تجمع رئيسين للبلدين منذ نحو 20 عاما، لبحث مسار التسوية الأمنية وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.
وكشفت قراءة مراسلي الجزيرة في واشنطن وبيروت عن تكتيك إعلامي اعتمد إرجاء الملفات المعقدة إلى الجلسات المغلقة صونا للاستقرار الداخلي اللبناني.
وأوضحت مراسلة الجزيرة في واشنطن وجد وقفي أن ترمب تجنب الإفصاح عن التفاصيل الإجرائية أمام الإعلام، مفضلا نقل القضايا المعقدة إلى المباحثات المغلقة مع عون لمنع فرض ضغوط علنية على القيادة اللبنانية.
وفي الإطار ذاته، أشار مدير مكتب الجزيرة في بيروت مازن إبراهيم إلى حرص الطرفين على التركيز على المساحات المشتركة وتجنب إثارة الملفات الخلافية، كاتفاقات إبراهيم، لتفادي الاحتقان السياسي الداخلي.
الخطة الصلبة وتنسيق الطرف الثالث
نقلت وجد وقفي عن ترمب تأكيده بدء إعادة انتشار القوات الإسرائيلية، مشيرة إلى مناقشة “خطة صلبة” تعتمد على إشراك طرف ثالث لمراقبة الالتزام الميداني وتفكيك البنية العسكرية بالمنطقة. وتركزت القراءات التحريرية حول الأبعاد الآتية:
دور رئيس مجلس النواب:
إبراز دور رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري ركنا أساسيا لقيادة جهود التهدئة والتواصل مع مختلف المكونات الوطنية.
البعد الإقليمي وموقف دمشق:
استناد المباحثات المغلقة إلى تفاهمات 26 يونيو/حزيران لنزع سلاح حزب الله، مع إشارة ترمب إلى “رغبة الرئيس السوري أحمد الشرع في المساهمة بتأمين التفاهمات الحدودية”.
حوادث التماس الميداني:
متابعة تداعيات حادثة إطلاق النار الإسرائيلي في منطقة زوطر الشرقية أثناء انتشار الجيش اللبناني، حيث أكد ترمب علمه بالحادث ومتابعته لضمان عدم تعثر خطة الانتشار.
انعكاسات الجنوب والتوافقات الداخلية
لخص مازن إبراهيم تأثيرات القمة ومخرجاتها الميدانية والسياسية في جانبين أساسيين:
المستوى الميداني:
متابعة جدول الانسحاب الإسرائيلي، ودور قوات اليونيفيل، وآليات دعم الجيش اللبناني لتمكينه من السيطرة الكاملة على الجنوب.
المستوى السياسي الداخلي:
التأسيس على التوافقات الإستراتيجية لتجاوز حالة الانقسام، وتجنب أي خطوات قد تزعزع التوازن السياسي في البلاد.
الشرع يرغب بالتدخل
وخلال محادثات ترمب وعون بشأن ملف حزب الله قال ترمب إن الرئيس السوري أحمد الشرع “يرغب في التدخل والقيام بشيء مع حزب الله”، زاعما أن “ذلك سيكون فعالا للغاية”.
وقبل هذا الاجتماع، التقى عون وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يوم الأحد الماضي، ودعاه لدفع إسرائيل إلى بدء الانسحاب من جنوب لبنان، تنفيذا لاتفاق 26 يونيو/حزيران الماضي، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل. ويهدف هذا الاتفاق إلى نزع سلاح حزب الله وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجيا وتمهيد الطريق لعلاقات سلمية بين البلدين.
وقبل ساعات من اجتماع عون مع ترمب، بدأت قوات الجيش اللبناني السيطرة على أراض انسحبت منها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، في أول اختبار لاتفاق 26 يونيو/حزيران الماضي.
وفي هذا الإطار، قدم خبراء ومحللون عسكريون عبر نافذة مباشرة من واشنطن قراءة إستراتيجية لأبعاد التسوية المرتقبة:
الدور السوري المتجدد:
شكل طرح ترمب الشفهي حول الدور المحتمل للرئيس السوري أحمد الشرع في ملف حزب الله تحولا إستراتيجيا في مقاربة واشنطن الإقليمية.
وفي هذا السياق، يوضح المستشار السابق في وزارة الدفاع الأمريكية آدم كليمنتس أن انخراط دمشق يسهم في توفير غطاء سياسي وأمني لبيروت، عبر كبح تحركات الميليشيات المسلحة وضبط الحدود لمنع استخدام الأراضي السورية كممر إمداد لوجستي أو تسليحي قادم من إيران نحو الجنوب اللبناني، مما يجرد حزب الله من عمقه الإقليمي ومحيطه الجغرافي الحاسم.
معادلة “الطرف الثالث”:
تتقاطع التفاهمات الأمريكية اللبنانية مع تصور يستهدف تقليص نفوذ حزب الله العسكري لحساب حضور سياسي محصور داخل المؤسسات الرسمية؛ حيث يرى الباحث في المجلس الأمريكي للسياسة الخارجية جيمس روبينز أن “الخطة الصلبة” تعتمد على مسار ثلاثي يربط الانسحاب الإسرائيلي بتطوير قدرات الجيش اللبناني تحت إشراف “طرف ثالث” دولي أو إقليمي للتحقق الميداني.
وتراهن واشنطن على هذه الصيغة لعزل نفوذ طهران وتهميش دورها الإقليمي دون الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
خيار الـ 10 أيام والسيطرة التدريجية على الممر المائي: وفي ما يتصل بمسارات التهدئة الميدانية وتقاطع ملف لبنان مع المواجهة البحرية، أشارت التقديرات التحليلية في واشنطن إلى ترجيح خيار إقرار “هدنة الـ 10 أيام” كصيغة مرحلية بديلة عن المقترحات الممتدة لنحو 90 يوما؛ بهدف اختبار جدية التزام الأطراف وضبط مناطق التماس.
وتستهدف هذه الضغوط المتزامنة حصر العمليات في نطاق الساحل والممر المائي، وإرغام طهران على القبول بالتسوية البحرية وضمان عدم التحكم في حركة الملاحة.
by الناشر | 21 July 2026 | قضاء وأمن
دخلت آليات الجيش اللبناني بلدة زوطر الغربية صباح الثلاثاء، وبعضها يرفع العلم اللبناني، في مشهد بدا كأنه اللحظة الأولى نحو انسحاب إسرائيلي تدريجي من جنوب لبنان.
غير أن هذه الصورة لم تصمد طويلا؛ فلم تمض ساعات حتى أعلن الجيش اللبناني أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على مقربة من وحداته، بالتزامن مع تفجيرات وقصف إسرائيلي طالا بلدات مجاورة.
تلخص هذه المفارقة حقيقة ما جرى خلال الأيام الماضية: خطوة ميدانية واقعية، لكنها أضيق بكثير من أن ترقى إلى مستوى الانسحاب من الجنوب.
فالاتفاق الذي وقع بين الحكومة اللبنانية ونظيرتها الإسرائيلية وقدّم بوصفه مسارا لاستعادة السيادة، يضع الدولة اللبنانية أمام اختبارات عدة أبرزها اختبار نزع سلاح حزب الله، في حين يبقى الانتقال إلى المرحلة التالية معلقا على تقييم لم تحسم آليته بعد.
كيف بدأ تطبيق المناطق التجريبية
لم يبدأ المسار بدخول الجيش إلى زوطر الغربية صباح الثلاثاء، بل كان ذلك أول ترجمة ميدانية لتفاهمات بدأت قبل أسابيع، وانتقلت لاحقا من الإطار السياسي إلى الترتيبات الأمنية على الأرض.
ففي 26 يونيو/حزيران، أُبرم برعاية أمريكية اتفاق إطاري ينص على انتشار الجيش اللبناني في مناطق محددة، وإزالة السلاح والبنية العسكرية غير الحكومية منها، مقابل انسحاب إسرائيلي متدرج من الأراضي التي تحتلها “إسرائيل”.
وفي الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة، التي عقدت في روما منتصف يوليو/تموز، قال مسؤول أمريكي إن الطرفين اتفقا على “هيكل وإرشادات عملية للمناطق التجريبية، على أن تستكمل وتنفّذ في الأيام المقبلة”.
وأمس الاثنين، أعلنت الخارجية الأمريكية بدء التطبيق في فرون وصريفا وزوطر الغربية. وفي صباح اليوم التالي، دخل الجيش زوطر الغربية، وبدأت فرق الهندسة مسح الطرق بحثا عن المتفجرات ومخلفات القوات الإسرائيلية، في حين دعا الجيش السكان إلى عدم العودة قبل استقرار الوضع الأمني.
لكن أول احتكاك وقع في اليوم نفسه، فقد أعلن الجيش اللبناني أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار “على مقربة” من وحداته، محذرا من أن “هذا الاعتداء من شأنه أن يعرقل تطبيق خطوات الانتشار”.
أما الجيش الإسرائيلي، فقال -وفق هيئة البث الإسرائيلية– إن ما أطلقه كان “عيارات تحذيرية تجاه جنود لبنانيين عبروا الخط المتفق عليه”.
وهكذا بدأ الاتفاق بخلاف على أبسط تفاصيله: أين ينتهي انتشار “إسرائيل”، وأين تبدأ سلطة الجيش اللبناني؟ ومن يملك تفسير الخرق؟
هل حدث انسحاب إسرائيلي فعلي؟
بحسب رويترز، دخل الجيش زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها. لكن المعطيات الميدانية تجعل الصورة أكثر تعقيدا.
ف”إسرائيل” لم تكن تحتفظ أصلا بوجود عسكري دائم داخل فرون وصريفا، بينما تركّز وجودها في زوطر الغربية عند الأطراف، وفي صورة توغلات لتنفيذ تفجيرات ثم التراجع.
وفي المقابل، بقيت قواتها في زوطر الشرقية المتداخلة معها، وفي تلة علي الطاهر الإستراتيجية ومواقع أخرى.
وبناء على ذلك فإن المنطقة التجريبية الأولى “لن تؤدي إلى أي انسحاب إسرائيلي”، لأنها في بلدات لم تحتلها “إسرائيل” خلال الحرب.
بل إن معاينة ميدانية لمدير مكتب الجزيرة في لبنان مازن إبراهيم أكدت أن قوات الاحتلال “لم تصل” فرون رغم قصفها، في حين أعلن مجلس بلدية فرون أن البلدة “غير محتلة أصلا ولا تقع ضمن الخط الأصفر”.
وبذلك، فإن ما حدث في زوطر الغربية أقرب إلى إعادة تموضع محدودة سمحت للجيش اللبناني بالدخول، وليس انسحابا من الشريط الممتد نحو 10 كيلومترات داخل لبنان.
وقال العميد إلياس حنا للجزيرة إن مساحة البلدات الثلاث لا تتجاوز نحو 2% من أصل نحو 600 كيلومتر مربع تسيطر عليها “إسرائيل”. أما العميد حسن جوني، فرأى أن “التحدي الأكبر” سيكون في الانتقال إلى مناطق “تكون فعلا محتلة وينسحب منها جيش الاحتلال”.
هل يستطيع السكان العودة؟
خلف هذا الجدل السياسي والوضع الأمني غير المستقر، تقف قرى مدمرة وسكان ينتظرون العودة.
التقارير الميدانية تتحدث عن بلدات فقدت معظم بيوتها وخدماتها الأساسية؛ ففرون وحدها تضرر نحو 80% من منازلها، بينما لا تزال الطرق تحتاج إلى مسح هندسي قبل أن تصبح آمنة.
لذلك، لا تقاس التجربة بانتشار الجيش وحده، بل بقدرته على فتح طريق عودة الناس إلى بيوت لم يعد كثير منها صالحا للسكن.
من يخضع للاختبار فعلا؟
تصف “إسرائيل” المناطق التجريبية بأنها امتحان لسيادة الجيش اللبناني، بوصفه “السلطة الرسمية الوحيدة المخولة بحمل السلاح”.
وقال مسؤول أمريكي، وفق رويترز، إنها تمنح الدولة فرصة “لبدء استعادة سيطرتها الفعلية” على مناطق كان حزب الله يهيمن عليها.
لكن الاتفاق لا يحدد موعدا ملزما للانسحابات التالية.
ونقل أكسيوس عن مسؤول أمريكي أن التفاوض ما زال مستمرا بشأن الجهة التي ستتحقق من خلو المناطق من أسلحة حزب الله، وأن المرحلة الثانية لن تبدأ إلا بعد هذا التحقق.
عمليا، يعني ذلك أن لبنان مطالب بإثبات نجاحه أولا، بينما تحتفظ “إسرائيل” بقدرتها على الاعتراض على النتائج وتأجيل الانسحاب.
ويقول سامي حلبي، مدير معهد السياسات البديلة في بيروت، لمجلة نيوزويك، إن الخطة “معدّة للفشل”، وإن الجيش اللبناني “عاجز تقنيا” عما يطلب منه، ما قد يضعه أمام مواجهة حزب الله “نيابة عن “إسرائيل”.
ويرفض حزب الله الاتفاق ونزع سلاحه ومخرجات التفاوض المباشر مع “إسرائيل”، ما يضع الجيش أمام مهمة تمس توازنا داخليا شديد الحساسية.
ولا يقتصر العبء الذي يفرضه الاتفاق على هذا المأزق الأمني الداخلي، بل يمتد إلى زاوية حقوقية دولية؛ إذ يتضمن الإطار بندا يلزم الطرفين بوقف “الأعمال العدائية في المحافل السياسية والقانونية الدولية”، وهو ما يُقرأ كقيد صريح يمنع لبنان من ملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية أمام المحاكم الأممية.
ما علاقة زيارة عون إلى واشنطن؟
تزامن دخول زوطر الغربية مع زيارة الرئيس جوزاف عون لواشنطن ولقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وكان عون قد طالب، خلال اجتماعه بوزير الخارجية ماركو روبيو، بتحقيق “انسحاب إسرائيلي أولي من المنطقة التجريبية الأولى”.
أما روبيو، فقدّم دعم الدولة اللبنانية بوصفه طريقا لمواجهة حزب الله، وقال إن عون يستطيع العودة إلى لبنان ليقول إنه يحقق نتائج للبنانيين “لا حزب الله، لا إيران”.
لذلك حملت زوطر وظيفة سياسية أيضا: منح عون خطوة يمكن تقديمها في واشنطن بوصفها ثمرة للمفاوضات.
لكنها قد تعمل في الاتجاه المعاكس، فتجعل لبنان ينفذ الجزء الأصعب من الاتفاق قبل أن تقدم “إسرائيل” تنازلا موازيا في أرض تحتلها فعليا.
فبينما يطلب من الجيش اللبناني البحث عن السلاح، تظل القوات الإسرائيلية متمركزة في نقاط ضمن ما تسميه “الخط الأصفر”، وتحتفظ بسيطرة نارية على محيط واسع.
ما السيناريوهات المقبلة؟
السيناريو الأفضل أن تنجح عملية الانتشار من دون صدام، وتتفق الأطراف على جهة تحقّق مقبولة، ثم تنتقل التجربة إلى بلدات تحتلها “إسرائيل” فعليا، بما يسمح بعودة السكان وبدء الإعمار.
وهذا ما تراهن عليه بيروت؛ فقد رأى كبير محللي مجموعة الأزمات الدولية ديفيد وود، أن الدولة اللبنانية “ستأمل في استخدام هذه المنطقة التجريبية الأولى دليلا على نجاح المفهوم”، بما يدفع واشنطن للضغط على “إسرائيل” لقبول مناطق إضافية.
أما السيناريو الأقرب في المدى القصير، في ظل غياب الجدول الزمني والخلاف على التحقق، فهو بقاء المنطقة في حالة وسط: ينتشر الجيش في بلدات محدودة، وتواصل “إسرائيل” الإمساك بالخط الأصفر، بينما تتباطأ المراحل التالية تحت عنوان التحقق ونزع السلاح.
ويبقى السيناريو الأخطر أن يؤدي إطلاق النار، أو عمليات إسرائيلية جديدة، إلى انهيار التجربة وعودة المواجهة، خصوصا مع هشاشة التهدئة واحتمال انعكاس التصعيد الأمريكي الإيراني مجددا على لبنان.
لهذا، لا يمكن وصف ما جرى بأنه انسحاب إسرائيلي فعلي من جنوب لبنان، بل تسليم محدود لموضع صغير، لكنه يفتح اختبارا كبيرا: هل يقود الاتفاق إلى تفكيك الاحتلال خطوة بعد أخرى، أم يتحول إلى صيغة تدير وجوده، وتحمّل لبنان مسؤولية بقاء “إسرائيل” على أرضه؟
المصدر: الجزيرة
by الناشر | 21 July 2026 | قضاء وأمن
تُظهر خريطة -أعدتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة- التوزيع الجغرافي للبلدات الثلاث المشمولة بالمرحلة التجريبية الأولى من “صيغة الإطار” بين لبنان و”إسرائيل”، وهي زوطر الغربية وفرون وصريفا، الممتدة على ضفتي نهر الليطاني.
كما قارنت الوحدة صورا التقطتها الأقمار الصناعية بين 28 فبراير/شباط و18 يوليو/تموز 2026، لرصد التغيرات الميدانية ونطاق الدمار الذي طال المباني والطرق والبنية التحتية في البلدات الثلاث.
ويأتي هذا الرصد بالتزامن مع بدء الجيش اللبناني -صباح اليوم الثلاثاء- انتشاره في زوطر الغربية بقضاء النبطية، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، وعقب انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي منها، في أول تطبيق ميداني للمرحلة التجريبية.
ميدانيا، أظهرت مشاهد نشرتها حسابات لبنانية دخول الجيش اللبناني إلى البلدة.
وأكد الجيش اللبناني أن وحداته بدأت الانتشار بناء على الاتصالات مع مجموعة التنسيق الخاصة بلبنان، داعيا المواطنين إلى عدم التوجه إلى زوطر الغربية حتى استقرار الوضع الأمني.
وتُظهر الخريطة أن البلدات المشمولة بالمرحلة الأولى لا تقع ضمن نطاق إداري واحد، لكنها تشكل حزاما جغرافيا يمتد على ضفتي نهر الليطاني.
وتقع زوطر الغربية شمال النهر ضمن قضاء النبطية، في حين تقع فرون إلى الجنوب الغربي منها ضمن قضاء بنت جبيل في المحافظة ذاتها، بينما تقع صريفا غرب فرون ضمن قضاء صور في محافظة الجنوب.
ويختلف الوضع الميداني بين البلدات الثلاث، إذ كان الجيش اللبناني يواصل تنفيذ مهماته في فرون وصريفا قبل الإعلان عن انطلاق المرحلة التجريبية، في حين ارتبط انتشاره في زوطر الغربية بانسحاب القوات الإسرائيلية منها. وبذلك تمثل زوطر الغربية أول حالة ضمن المرحلة الحالية يجري فيها الانتقال من وجود عسكري إسرائيلي إلى انتشار الجيش اللبناني.
وفي بيان عبر منصة إكس، أكد الجيش اللبناني -أمس الاثنين- أن وحداته تواصل مهماتها في فرون وصريفا، بالتوازي مع التنسيق لبدء الانتشار في زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها.
وتقع بلدات زوطر الغربية وفرون وصريفا في نطاق جغرافي متقارب حول نهر الليطاني. ويعبر “الخط الأصفر” الذي رسمته “إسرائيل” بلدة زوطر الغربية، في حين يمر بمحاذاة فرون وصريفا. أما إلى الجنوب، فيبرز “الخط الأزرق” الذي اعتمدته الأمم المتحدة عام 2000 للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
وقال رئيس بلدية زوطر الغربية العبد عز الدين إن طرقا جُرفت، ومنازل سُويت بالأرض، وإن تضرر البنية التحتية جعل البلدة غير قابلة للسكن حاليا، وفق ما نقلت عنه وكالة أسوشيتد برس.
وتكشف الصور الملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية الأوروبية “سنتينل-2” جانبا من حجم الخسائر، إذ أظهرت صور يوم 18 يوليو/تموز الجاري حجم الدمار الذي تعرضت له البلدة.
وفي بلدة فرون، لم يقتصر الأثر على المباني، فقد تضررت الطرق وشبكة المياه وبئر ارتوازية ومنشأة للطاقة الشمسية، وتحولت مدرسة في البلدة إلى مأوى مؤقت للأسر التي فقدت منازلها.
وكانت البلدة قد شهدت في سبتمبر/أيلول 2024 مقتل 3 أفراد من الدفاع المدني وإصابة اثنين، أثناء عملهم على إخماد حرائق أشعلتها الغارات الإسرائيلية.
أما في صريفا، فبدت آثار الدمار أشد وضوحا في قلب البلدة. فقد ذكر رئيس البلدية محمد نزال -في تصريحات لصحيفة لوموند الفرنسية- أن أكثر من 60% من المنازل دُمرت، وانقطعت المياه والكهرباء، وطال القصف مركز الرعاية الصحية ومركز المستجيبين الأوائل والصيدلية ومتاجر وسط البلدة. كما تحتاج نحو 500 أسرة دُمرت منازلها كليا إلى مساكن مؤقتة.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت -أمس الاثنين- بدء العمليات في البلدات الثلاث تحت إشراف مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، في إطار التفاهمات التي توصلت إليها الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية برعاية واشنطن.
وأُبرمت “صيغة الإطار” في 26 يونيو/حزيران الماضي، بعد خمس جولات تفاوضية، وتنص على انسحاب إسرائيلي متدرج من الأراضي التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية جنوبي لبنان، يعقبه انتشار الجيش اللبناني وتوليه المسؤولية الأمنية الكاملة في المناطق المخلاة.
كما يرتبط تنفيذ الصيغة بنزع سلاح الجماعات المسلحة، في إشارة إلى حزب الله، من دون أن تتضمن الصيغة المعلنة جدولا زمنيا محددا لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
وقال الجيش الإسرائيلي -أمس- إن فرقا من جيوش “إسرائيل” وأمريكا ولبنان تتولى التنسيق والتخطيط لمواصلة تنفيذ الاتفاق، محذرا من أنه سيتصرف ضد ما وصفه بأي انتهاك للاتفاق.
ونقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن مسؤول إسرائيلي أن المناطق التجريبية ستُستخدم لاختبار مدى نجاح الجيش اللبناني في تجسيد سيادة الدولة، عبر تنفيذ الشروط المتفق عليها ميدانيا، على أن يتولى طرف ثالث التحقق من التنفيذ.
ووصفت القناة 15 الإسرائيلية التجربة في زوطر الغربية وفرون وصريفا بأنها “اختبار للسيادة”، يتعين خلاله على الجيش اللبناني إثبات أنه الجهة الرسمية الوحيدة المخولة بحمل السلاح. وأضافت أن الجيش الإسرائيلي سيُجري تحققا ميدانيا، فإذا عَدَّ المنطقة مستوفية للشروط، تُوسع التجربة إلى بلدة أخرى، وإلا فسيتدخل لتفكيك ما يعدها بنى مسلحة فيها.
وتمثل البلدات الثلاث اختبارا أوليا لـ”صيغة الإطار”، ستحدد نتائجه إمكان توسيعها. ويأتي ذلك في حين تواصل “إسرائيل” احتلال مناطق في الجنوب، بينها أراض بقيت تحت سيطرتها منذ عقود، وأخرى توغلت فيها خلال الحرب السابقة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، في حين تؤكد بيروت أن أي ترتيبات أمنية يجب أن تقود إلى انسحاب كامل ووقف الخروقات الإسرائيلية.
by الناشر | 21 July 2026 | قضاء وأمن
أعلنت قيادة الجيش – مديرية التوجيه، في بيان، أنّ “الوحدات العسكرية نفّذت انتشارها داخل بلدة زوطر الغربية بعد إجراء الاتصال والتنسيق اللازمَين مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، ولم تدخل بلدة زوطر الشرقية”.
وأوضحت أنّ “قوات الاحتلال الإسرائيلي اقتربت من أطراف بلدة زوطر الغربية أثناء وجود عناصر الجيش اللبناني داخل البلدة خلال تنفيذ مهمة الانتشار، وأطلقت النار على مقربة منهم، الأمر الذي عرّض العسكريين للخطر وأعاق تنفيذ المهمة الموكلة إليهم”.
وشددت على أنه “يجب على جيش الاحتلال الإسرائيلي معالجة أي إشكال عبر مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L) ومن خلال قنوات التنسيق والاتصال المعتمَدة، عوضًا عن القيام بالاعتداءات”.
by الناشر | 21 July 2026 | إقليمي ودولي
ثمة آية في العهد القديم، تحديدا في سفر التكوين، يتمسك بها الصهاينة حجة لمشروعهم التوسعي، حيث يزعمون أنها تحوي وعدا إلهيا بأرض تمتد من نهر النيل حتى الفرات الكبير، وقد وظف هذا النص صراحة وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان حين أعلن في عام 1967 أن الإيمان بالتوراة يستوجب امتلاك كل الأراضي التوراتية، وذلك بحسب ما يذكره المفكر الفرنسي روجيه جارودي في كتابه عن “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية”.
لم يكن ديان أول مسؤول إسرائيلي يعتنق هذا النوع من “النبوءات التوراتية” ولن يكون الأخير. ففي أغسطس/آب عام 2025 أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن “ارتباطه شعوريا برؤية “إسرائيل” الكبرى”، قائلا إنه يرى نفسه: “في مهمة تاريخية وروحية ممتدة لأجيال”. فضلا عن تصريحات أعضاء اليمين في الحكومة الإسرائيلية الحالية أمثال بن غفير وسموتريتش التي تؤيد هذه الرؤية، وتسعى لتحقيقها مرحليا أو كليا بكل السبل المتاحة.
“أكثر الانتقادات إحراجا للمشروع الصهيوني صدرت عن حاخام يهودي بالغ في عداوته لهذا المشروع حتى آخر لحظة من حياته”
غير أن المفارقة اللافتة أن أشد الردود استهدافا لأسطورة التوسع من النيل للفرات، وأكثرها إحراجا للمشروع الصهيوني صدرت عن حاخام يهودي بالغ في عداوته لهذا المشروع حتى آخر لحظة من حياته. ذلك الرجل هو جويل (يوئيل) تيتلباوم، الذي حمل التوراة ذاتها سلاحا ليثبت أن قيام دولة “إسرائيل” ليس واجبا دينيا، بل خطيئة صريحة، وتمردا على أوامر الرب، وسببا في جلب النقمة الإلهية على كل اليهود.
ولم تكن حجته سياسية ولا قانونية ولا إنسانية، بل كانت لاهوتية خالصة مستمدة من أعماق النصوص المقدسة التي يزعم الصهاينة أنهم يستمدون منها شرعيتهم ورؤيتهم للشرق الأوسط وأحداث آخر الزمان. وهذا هو ما جعل رؤيته خطيرة جدا على أسس المشروع الصهيوني وشرعيته.
جويل ونشأة تيار ساتمار
في 13 يناير/كانون الثاني عام 1887، وفي مدينة سيغيت التي كانت آنذاك جزءا من الإمبراطورية النمساوية المجرية، وتعود اليوم للأراضي الرومانية تحت اسم سيغيتو مارماتسيي، وُلد جويل تيتلباوم خامس أبناء الحاخام الأكبر حنانيا يوم توف ليبا تيتلباوم وأصغرهم، من زوجته الثانية حنة أشكنازي.
لم يكن ميلاده في بيت عادي فأسرة تيتلباوم كانت تحمل إرثا حاخاميا ضاربا في العمق يمتد إلى الحاخام موسى تيتلباوم الذي تولى زعامة حركة الحسيديم (Hasidism) اليهودية التي ظهرت في أوروبا الشرقية خلال القرن الثامن عشر. وقد ترك الجد كتابا بعنوان “يسمح موشيه” (ابتهاج موسى) وهو تفسير لأسفار التوراة، وكذلك شغل والد جويل منصب الحاخام الأكبر لمدينة سيغيت وترأس المعهد الديني الحاخامي هناك، وقاد الحركة الحسيدية في المنطقة كما فعل أسلافه من قبله.
“أسرة تيتلباوم كانت تحمل إرثا حاخاميا ضاربا في العمق يمتد إلى الحاخام موسى تيتلباوم الذي تولى زعامة حركة الحسيديم”
كشف الصغير منذ سنواته الأولى عن قدرة لافتة في استيعاب العلوم الدينية اليهودية وحفظها وتحليلها، وحين بلغ سن الثالثة عشرة وأُقيم له حفل البارميتزفا (وهو تقليد يهودي أرثوذكسي يُعلن فيه دخول الفتى شد الرشد الديني والمسؤولية الروحية) ألقى جويل خطابا دينيا مطولا استمر لفترة طويلة أعجبت الحاضرين.
وبجانب رسوخه في الأدبيات اليهودية كان جويل متشددا في التزامه الديني بصورة لافتة حتى في بيئة متشددة أصلا، وكان معظم أبناء طائفته يرون فيه الأجدر بخلافة والده في الزعامة الروحية، لولا أنه كان الأصغر بين إخوته وكانت الأعراف تقضي بأن تؤول الزعامة إلى الأكبر سنا.
وحين وافت المنية والده في عام 1904 وجويل يومئذ في السابعة عشرة من عمره آلت زعامة الطائفة في سيغيت إلى أخيه الأكبر، فآثر جويل أن يبتعد عن المدينة حتى لا يجد نفسه منافسا لأخيه، فتوجّه إلى قرية ساتمار القريبة (وتُعرف اليوم بساتو ماري وتقع ضمن الحدود الرومانية)، بحسب ما أشارت إليه دراسة للباحث مناحيم كرين كراتس بعنوان “الحاخام جويل تيتلباوم- حاخام ساتمار وصعود معاداة الصهيونية في الأرثوذكسية الأمريكية”.
في ساتمار التف اليهود حول هذا الشاب ذي الكاريزما الطاغية، وصار المرجع الديني الذي يُقصد للاستفتاء في كل شؤون الحياة، وفي عام 1934 جرى اختياره رسميا كبيرا لحاخامات ساتمار، بعد سنوات من المقاومة الداخلية كان عليه خلالها أن يُثبت نفسه في مواجهة متشككين ومعارضين لتعيينه. وقد أشار كراتس في دراسته السابقة إلى أن هذه السنوات الأولى في ساتمار أسهمت في صياغة شخصيته المقاتلة التي لا تهادن ولا تساوم.
وكان تيتلباوم منذ البداية صارما في رفض أي تهاون مع الحداثة العلمانية، أو حتى مع الحركات الدينية التي رأى أنها تذوب في قيمها، وكانت حركة “أغودات يسرائيل” في مقدمة ما يرفضه، إذ رأى أنها انزلقت من موقف ديني أصيل رافض للصهيونية نحو التعايش والتكيّف معها، أما الصهيونية الدينية فكانت في نظره أسوأ أشكال الانحراف، لأنها تُلبس الضلالة في رأيه زي التقوى.
“في نظر تيتلباوم، كانت الصهيونية الدينية أسوأ أشكال الانحراف، لأنها تُلبس الضلالة زي التقوى”
وقبل أن نتابع مسيرة حياته، لا بد من الوقوف عند جذر الفكر اللاهوتي الذي جعل تيتلباوم قوة مؤثرة في تاريخ اليهودية المعاصرة، فقد بنى حجته المركزية على نص تلمودي يتحدث عن ثلاثة أيمان أقسمها الله: الأول والثاني على بني “إسرائيل” بألا يهاجروا إلى أرض فلسطين بصورة جماعية قسرا قبل مجيء المسيح المخلص (ألا يصعدوا كالسور)، وألا يتمردوا على الأمم التي يعيشون في ظلها أثناء شتاتهم. في المقابل تذكر هذه النصوص أن الله ألزم أمم العالم بألا يبالغوا في اضطهاد بني “إسرائيل” أو يتجاوزوا الحد في معاملتهم بالقسوة والظلم.
وقد اكتسبت النصوص الواردة في التلمود وسفر نشيد الإنشاد بشأن “الأيمان الثلاثة” شهرة واسعة داخل الأوساط اليهودية بفضل الحاخام تيتلباوم، الذي رأى فيها إنذارا ربانيا يمنع اليهود من السعي إلى إقامة دولة لهم في فلسطين. وقد بسط هذه الفكرة في عدد من مؤلفاته، وفي مقدمتها كتابه “مقدمة في سفر فاجويل موشيه” حيث أفرد فصلا كاملا بعنوان “مقال في الأيمان الثلاثة” تناول فيه شرح العهود التي فرضها الله على بني “إسرائيل” وعلى الأمم الأخرى وفق اعتقاده.
ويذهب تيتلباوم إلى أن الحركة الصهيونية خالفت هذه الأوامر الإلهية حين تحركت جماعيا نحو القدس وتمردت على الإرادة الربانية، معتبرا أن هذا العصيان كان سببا في نزول العقاب على اليهود، والذي تجسد -بحسب رأيه- في المحرقة النازية. ولا يتعارض هذا الفهم، في نظره، مع ما ورد في سفر التكوين بشأن أرض الميعاد؛ إذ يعتقد أن تلك النصوص تتصل بأحداث آخر الزمان، حين يأتي المسيح بوصفه تحقيقا لوعد إلهي، فيقيم العدل والسلام في العالم ويؤسس مملكته الروحية انطلاقا من أرض الميعاد.
وتُعدّ الحجة المركزية للكتاب أن الصهيونية انتهكت القسم الأول بـ”الصعود الجماعي” إلى فلسطين، فأُعفيت أمم العالم تبعا لذلك من قسمها بعدم أذى اليهود؛ وهكذا يكون الصهاينة قد جنوا الذلة والحرب على أنفسهم وعلى سائر اليهود الأبرياء بهذا التمرد على الأوامر الربانية.
“يرى تيتلباوم المحرقة عقوبة إلهية، وأن الصهاينة جنوا الذلة والحرب على أنفسهم وعلى سائر اليهود الأبرياء بتمردهم على الأوامر الربانية”
وقد استدل تيتلباوم أيضا بنص الحبر اليهودي موسى بن ميمون الذي حذر من أن بعض أبناء الشعب اليهودي سيندفعون في الأزمنة المتأخرة إلى إنهاء المنفى قبل موعده فيواجهون الكارثة، مفسرا هذا النص باعتباره وصفا دقيقا لما صنعه الصهاينة. وذهب إلى أبعد من ذلك حين شكّك في انتسابهم أصلا إلى بني “إسرائيل” الأصليين، فرأى أنهم من سلالة “إيريف راف”، وهم غير الإسرائيليين الذين خرجوا مع موسى عليه السلام من مصر والذين يُنسب إليهم تاريخيا عبادة العجل الذهبي والتسبب في إضلال بني “إسرائيل”.
كما شبههم بـ”شبتاي تسفي” وهو متصوف يهودي عاش في العصر العثماني كان قد ادعى في القرن السابع عشر أنه المسيح المنتظر لليهود، قبل أن يرتد عن اليهودية ويعتنق الإسلام بحسب وصفه. والجدير بالذكر أن تيتلباوم لا ينفي بالكلية حق اليهود في السكن في القدس وأرض فلسطين؛ إذ كان يرى أن وجود اليهود في القدس مقبول بالصفة الفردية تحت سلطة غير يهودية، أما ما يحرّمه فهو الدولة القومية اليهودية ذاتها باعتبارها إعلانا للسيادة السياسية قبل قدوم المسيح، وبمعزل عن المشيئة الإلهية.
الحرب والنجاة وقطار الموت
مع اشتداد الضغط النازي على يهود أوروبا في أواخر الثلاثينيات، لم يُليّن تيتلباوم من مواقفه قيد أنملة، فكان يرى في هذا الضيق تجليا لما حذر منه وأن ما يحدث عقوبة إلهية جاءت جراء الانحراف الصهيوني. وظل طوال تلك السنوات الحرجة يرفض أي تعاون مع المنظمات الصهيونية التي كانت تُنظّم شبكات تهريب اليهود إلى فلسطين، وحين عرضت الوكالة اليهودية الدولية تعاونا مشروطا بتوقيع اتفاقية رسمية رفض رفضا باتا.
وفي عام 1944 احتل الجيش النازي المجر وانطلقت عمليات ترحيل اليهود المجريين إلى معسكرات الاعتقال الألمانية، وفي 30 يونيو/حزيران 1944 أقلّت 35 عربة ماشية 1684 يهوديا من بودابست في القطار الذي صار يُعرف بـ”قطار كاستنر”، وكان من بين ركابه 126 يهوديا ضموا نحو 40 حاخاما، وكان جويل تيتلباوم أحد هؤلاء الناجين، حيث توجّه القطار أولا إلى بيرغن بيلسن شمال ألمانيا حيث أُودع الركاب في قسم خاص بظروف أفضل نسبيا، ريثما تنتهي مفاوضات الفدية حيث كان المحامي الصهيوني رودولف كاستنر يجري مفاوضات مضنية مع القائد النازي أدولف إيخمان للإفراج عن دفعة من اليهود مقابل فدية ضخمة.
“الرجل الذي رفض بشدة أي تعاون مع الصهاينة نجا بفضل قطار نظمه أحدهم”
وقد وصف الكاتب والطبيب اليهودي المجري فرنتس كينيدي أول مشاهداته للحاخام جويل تيتلباوم أثناء رحلة قطار كاستنر، وذلك في شهادته المنشورة في صحيفة دوس فورت (Das Wort) اليهودية الصادرة باليديشية (اللغة التاريخية ليهود أوروبا الشرقية) عام 1959، حيث ذكر أنه رآه عند الحدود المجرية السلوفاكية يسير جيئة وذهابا بمحاذاة القضبان، ويتمتم بصلوات أو ألحان دينية، ويبدو -على حد تعبيره- مثل “أسد جريح”. وأضاف كينيدي أنه لم يكن يعرف هوية ذلك الرجل حينذاك، ثم علم لاحقا أنه الحاخام الساتماري جويل تيتلباوم، كما ذكر أنهما أقاما معا عدة أشهر في القسم الرجالي (E) بمعسكر بيرغن بيلسن.
بعد الانتقال إلى سويسرا آثر تيتلباوم ومجموعة مقربة منه الانتقال إلى القدس في البداية حيث كانت ابنته تقيم هناك، قبل أن يستقر نهائيا في نيويورك عام 1946، وهنا تبدو المفارقة في حياته؛ فالرجل الذي رفض بشدة أي تعاون مع الصهاينة نجا بفضل قطار نظّمه ودخل في مفاوضاته واحد منهم، وإن ظل تيتلباوم وأتباعه يجادلون بأن نجاته تمت بفضل الحاخامات الحريديم الذين جمعوا المال ودفعوه للضباط الألمان، بل إنه خلال تنقلاته كان يرفض أن يأكل من طعام الصهاينة قبيل اعتقاله من قبل الألمان.
ويليامزبرغ.. بناء المملكة في المنفى
حين وصل تيتلباوم إلى مدينة نيويورك عام 1946، كان يبدأ حياته مجددا من الصفر في مدينة غريبة تعجّ بالمهاجرين اليهود الذين كانت الصهيونية تجد في مآسيهم تربة خصبة للنمو، ومع ذلك بدأ يؤسس حركة ساتمار من العدم، مستفيدا من نظام الفصل بين الكنيسة (المؤسسات الدينية عموما) والدولة في الولايات المتحدة الذي أتاح له بناء مجتمع مستقل بمؤسساته وقوانينه الداخلية المتفردة.
في 1 أكتوبر/تشرين الأول 1948 حين كانت الحرب العربية الإسرائيلية على أشدها، دُعي تيتلباوم إلى اجتماع جمع قادة المنظمات اليهودية الأمريكية للتضامن مع الدولة الوليدة، حينها خالف تيتلباوم الإجماع، وأعلن بصورة قاطعة رفضه الاعتراف بأي كيان سياسي للصهاينة فضلا عن الوقوف إلى جانبه في مواجهة العرب، مستندا إلى موقفه اللاهوتي الثابت وكان هذا التصريح بمثابة إعلان حرب مدوٍ على المؤسسة اليهودية الأمريكية التي هيمن عليها الصهاينة.
“قاد تيتلباوم مظاهرة تاريخية أمام القنصلية الإسرائيلية في نيويورك لإعلان البراءة من “إسرائيل”
وسرعان ما أكد تيتلباوم كلامه بأفعال، حين قاد مظاهرة تاريخية أمام القنصلية الإسرائيلية في نيويورك، شارك فيها آلاف اليهود الأرثوذكس بلحاهم الطويلة وعباءاتهم التقليدية السوداء، مرددين الهتاف ضد “إسرائيل” ومعلنين البراءة منها. وكان الحدث سابقة استثنائية رصدتها كبريات الصحف الأمريكية والإسرائيلية بدهشة، ونظمت حركته في الحقبة ذاتها اجتماعات احتجاجية عدة، ووزعت منشورات بالإنجليزية على الناس في الشوارع، بل أقامت مظاهرات أمام البيت الأبيض ذاته.
وحين حاول مندوب الكنيست الإسرائيلي بنيامين مينتز إلقاء خطاب في كنيس “بريسكر شول” في ويليامزبرغ احتجاجا على مواقف تيتلباوم، اضطرت الشرطة إلى التدخل لتفريق المؤيدين لتيتلباوم الذين حاصروا المنصة. وحينها، أدركت تل أبيب الخطر الداهم من هذا الرجل المتنفّذ، فأوفدت وزير داخليتها حاييم موشيه شابيرا إلى نيويورك للقاء تيتلباوم، لكن اللقاء لم يُفضِ إلى شيء. وبحلول في عام 1953 تقلّد تيتلباوم رئاسة حركة “إيداه هريديت” الكيان اليهودي الأصولي الأرفع الرافض للصهيونية داخل “إسرائيل” ذاتها، ثم أسس في عام 1954 المؤتمر الحاخامي المركزي لأمريكا الشمالية الذي صار منصة دورية لتفكيك خطاب الصهيونية ونقض شرعيتها.
وفي عام 1959 في زيارة أريد منها ظاهرا استرضاؤه، قدم تيتلباوم إلى “إسرائيل” فكان استقباله من أتباعه أسطورياً؛ فقد التقاه الآلاف منهم في ميناء حيفا بلباسهم التقليدي واستأجروا قطارا كاملا لنقله إلى القدس، وعلقوا لافتات ترحيبية ملأت الشوارع، لكنه فاجأ الجميع بأن طلب من أتباعه تسليمه بطاقات هويتهم لضمان مقاطعتهم الانتخابات الإسرائيلية رفضا لشرعيتها، وفي العام ذاته صدر كتابه “مقدمة في سفر فاجويل موشيه” في طبعته الأولى، الذي كان بمثابة بيانه العقدي المنظم، فأثار موجة من الجدل الواسع في الأوساط الدينية اليهودية.
المقاومة حتى النهاية
حين هزمت “إسرائيل” العرب في حرب يونيو/حزيران 1967 واحتلت الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، بدت تلك لكثيرين من اليهود معجزة إلهية لا تقبل الشك، حينئذ وجد تيتلباوم نفسه أمام اختبار وجودي لفكره؛ إذ كيف يُفسر هذا النصر الصاخب؟
بيد أنه لم يتردد في التدخل؛ فبعد أيام قليلة من انتهاء الحرب، أصدر كتابه باللغة اليديشية بعنوان “عل هغئولا فيعل هتموراه” (عن الخلاص وعن التغيير)، مؤكدا أن هذا النصر لا يمثل بأي وجه مباركة ربانية للصهيونية. وقال -كما نقل عنه بعض الباحثين- إن انتصار عام 1967 لم يكن معجزة إلهية بل كان فتنة شيطانية وعملا من قوى الشر يستهدف إيهام اليهود المتدينين بأن الصهيونية تسير على طريق الحق لإيقاعهم في الضلالة والردة ودعا أتباعه صراحة إلى عدم الانخداع بهذا النصر العابر الذي لن يلبث أن يكشف عن وجهه الحقيقي.
“رأى تيتلباوم أن انتصار عام 1967 لم يكن معجزة إلهية بل كان فتنة شيطانية تستهدف إيهام اليهود المتدينين بأن الصهيونية تسير على طريق الحق”
وقد أشارت بعض الدراسات المتخصصة في فكر تيتلباوم إلى أن كتابه “فاجويل موشيه” الصادر في عام 1959 وضع الأساس النظري المتكامل للعقيدة الساتمارية المناهضة للصهيونية، إلا أن تأثيره كان في البداية محصورا نسبيا داخل الدوائر الحريدية الراديكالية. أما بعد حرب يونيو/حزيران 1967 وما نتج عنها من سيطرة “إسرائيل” على القدس الشرقية وحائط البراق، فقد دخل الجدل الديني حول معنى هذه الأحداث إلى قلب المجتمع الحريدي، وهنا نشر تيتلباوم كتابه “عن الخلاص وعن التغيير”، الذي مثّل ردا مباشرا على من اعتبروا انتصار “إسرائيل” علامة على بداية الخلاص اليهودي. وقد ساعد هذا الكتاب على نشر أفكاره خارج الإطار الساتماري الضيق وإدخالها إلى سجالات أوسع داخل العالم الحريدي.
في هذه المرحلة باتت الحركة التي أسسها تيتلباوم القوة اليهودية الأصولية “الأرثوذكسية” الأكبر والأسرع نموا في الولايات المتحدة، ومن ضمن الأكبر في العالم، وكانت قد أسست نواة مجتمعها في حي ويليامزبرغ في بروكلين حيث صمد أتباعه حين فرّ منه الجميع إبان أزمة السكن والعنف في الستينيات والسبعينيات.
وفي عام 1974 بدأ مشروع بلدة “كيرياس جويل” (Kiryas Joel) حين استقرت أولى العائلات الساتمارية في منطقة مونرو بولاية نيويورك. كان المشروع مبادرة من تيتلباوم لتكوين مجتمع حسيدي محافظ على نمط الحياة الساتماري التقليدي بعيدا عن التأثيرات الخارجية. وقد بلغ عدد سكان البلدة أكثر من 33 ألف نسمة وفق تعداد عام 2020، بينما تشير تقديرات أحدث إلى تجاوزهم 43 ألفا.
وقد وصفته مجلة “تايم” بـ”ملك كل الحاخامات”، وهو لقب لم يمنحه إياه أتباعه فحسب بل منحه إياه خصومه أيضا بطريقة ما، إذ كان تأثيره في المجتمع اليهودي الأصولي الأمريكي يفوق أي صوت ديني آخر في عصره.
“معاداة الصهيونية احتلت موقعا مركزيا في مشروع تيتلباوم الفكري والديني”
في الحقيقة، يرى الكثير من الباحثين أن جويل تيتلباوم نجح في إحداث تحول عميق في طبيعة العداء اليهودي للصهيونية، إذ نقل هذا العداء من كونه موقفا تتبناه بعض الأوساط الأرثوذكسية إلى منظومة دينية متكاملة ذات أسس واضحة. فقد بيّن مناحيم كرين -كراتس في دراسته “الحاخام جويل تيتلباوم، وصعود العداء للصهيونية في الأرثوذكسية الأمريكية” أن تيتلباوم أسهم في ترسيخ معاداة الصهيونية بوصفها عقيدة دينية ملزمة داخل قطاعات واسعة من الأرثوذكسية اليهودية. كما أوضح زافي جوناثان كابلان في دراسته “جذور العداء الساتماري للصهيونية: الحاخام جويل تيتلباوم والصهيونية والأرثوذكسية المجرية المتشددة” أن معاداة الصهيونية احتلت موقعا مركزيا في مشروع تيتلباوم الفكري والديني.
وذهب موتي إنباري في دراسته “حياة وأعمال الحاخام جويل تيتلباوم” إلى أن أفكاره أصبحت حجر الزاوية في الهوية الساتمارية المعاصرة. وبناء على ذلك تحولت معاداة الصهيونية على يديه من رأي ديني محدود التأثير إلى عقيدة راسخة ذات أسانيد شرعية يهودية، تُدرَّس في المؤسسات التعليمية الساتمارية (نسبة إلى مدينة ساتمار الرومانية) وتُعد من أبرز ركائز الهوية الفكرية للحركة.
الوفاة والاستمرارية
في عام 1968 أُصيب تيتلباوم بسكتة دماغية شلت حركته جزئيا، ولم يَقوَ جسده على العودة الكاملة إلى نشاطه المعتاد، ومع ذلك ظل يُصدر آراءه ويُشرف على حركته حتى فارق الحياة في 19 أغسطس/آب 1979 عن عمر ناهز 92 عاما، وقد خلّف وراءه حركة ضخمة بيد زوجته فايغي تيتلباوم التي أدارت شؤونها بالتعاون مع كبار الحاخامات، إلى أن تسلّم ابن أخيه موشيه تيتلباوم زعامتها في أغسطس/آب 1980.
وتوفي موشيه تيتلباوم في عام 2006 دون أن ينجح في إنهاء النزاع حول خلافته، فانقسمت الحركة الساتمارية إلى جناحين رئيسيين: أحدهما بقيادة هارون تيتلباوم في كيرياس جويل، والآخر بقيادة زالمان لايب تيتلباوم في ويليامزبرغ.
ورغم هذا الانقسام التنظيمي، ظل الجناحان متمسكين بالموقف العقائدي الذي أرساه جويل تيتلباوم في رفض الصهيونية والدولة الإسرائيلية، وتُعد ساتمار اليوم من أكبر الجماعات الحسيدية في العالم، ويُقدَّر عدد أتباعها بمئات الآلاف موزعين بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” وأوروبا وكندا، مع تركز رئيسي في منطقتي كيرياس جويل وويليامزبرغ بولاية نيويورك الأمريكية، كما تُعرف بمعدلات نمو سكاني مرتفعة جعلتها من أسرع الجماعات الحريدية توسعا في العقود الأخيرة.
المصدر: الجزيرة