هيكل: نتطلّع إلى زوال الاحتلال وانتشار الجيش على كل شبر من أرضنا
أكد قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، أن تضحيات الجيش تُبقي الوطن صامداً وموحداً وتتيح الظروف اللازمة لعمل مؤسساته ونهوضه من أزمته.
أكد قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، أن تضحيات الجيش تُبقي الوطن صامداً وموحداً وتتيح الظروف اللازمة لعمل مؤسساته ونهوضه من أزمته.
كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت، الاثنين، أن حوالي 600 مسؤول سابق رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي والموساد والشاباك ووزارة الخارجية وجهوا نداء عاجلا إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لوقف ما وصفوه بالنشاط الإرهابي للمستوطنين اليهود في الضفة الغربية المحتلة.
وجاء ذلك في رسالة موجهة للبيت الأبيض ليلة الأحد -عشية اجتماع ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو- حيث دعا كبار المسؤولين الرئيس الأمريكي للتدخل شخصيا والضغط على تل أبيب لوقف العنف، مؤكدين أن “الإرهاب هو الإرهاب”.
وخاطب أعضاء منظمة “قادة من أجل أمن “إسرائيل” ترمب في رسالتهم قائلين: “لا أحد سواك يا سيادة الرئيس قادر على منع هذه الكارثة. نأمل بصدق أن تستغل اجتماعك المرتقب مع رئيس وزرائنا لتوجيه رسالة قوية وواضحة بهذا الشأن”.
ويرى أعضاء المنظمة أن استمرار العنف والسياسات المصممة “لخنق السلطة الفلسطينية، اقتصاديا وغير ذلك”، سيدمر أمن “إسرائيل”، ويقوض الاستقرار الإقليمي برمته، ويحبط التحركات الدبلوماسية التي يروج لها ترمب.
كما تطرقت الرسالة إلى تداعيات الأحداث الحالية، إذ حذرت من أن عنف المستوطنين قد يعرقل فرص تنفيذ خطة ترمب المكونة من 20 بندا بشأن قطاع غزة، ويُجهض طموحه في توسيع “اتفاقيات أبراهام”، بل وقد يدفع الدول الموقعة عليها إلى إعادة النظر في علاقاتها مع “إسرائيل”.
وأضافت: “هذا المسار يُهدد بتقويض أمن “إسرائيل”، والإضرار بالمصالح الأمريكية، وزعزعة الاستقرار الإقليمي”.
ولم تقتصر الرسالة على البيت الأبيض، بل وُجهت أيضا إلى شخصيات نافذة في محيط ترمب، أبرزهم صهره جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف. وكان من بين موقعيها قادة أمنيون بارزون، في مقدّمتهم رئيس الموساد الأسبق داني ياتوم، ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) السابق عامي أيالون، واللواء (احتياط) ماتان فيلناي، الذي شغل منصب نائب رئيس الأركان ونائب وزير الدفاع.
كما اتهم كبار المسؤولين في الرسالة أعضاء حكومة نتنياهو بالترويج بشكل مباشر لعنف المستوطنين، إذ كتبوا: “ليس سرا أن بعض أعضاء حكومتنا الحالية يدبرون جزءا كبيرا من هذه الفوضى”، وذلك استنادا لتوفير هؤلاء الوزراء الحماية لأنصارهم، الذين وصفوهم بأنهم “مسلحون ومدفوعون بدوافع دينية”، الأمر الذي يعرقل فعليا تطبيق القانون ضدهم.
ووفقا للموقعين، فإن هذا الواقع يضع المؤسسة الأمنية أمام معضلة شبه مستحيلة، إما أن يتصرفوا وفقا لحكمهم المهني وواجبهم -وهو يتطلب إنفاذا حازما للقانون- أو أن يطيعوا تعليمات القيادة السياسية، كما هو مطلوب في “النظام الديمقراطي”.
كذلك، أوضحت الرسالة أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تجيد التعامل مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وغيرها من المنظمات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، لكن غير قادرة على مكافحة الإرهاب اليهودي هناك بشكل فعال.
وفي ختام الرسالة، حث كبار المسؤولين ترمب على عدم التعامل مع تحذيرهم كسيناريو نظري، مضيفين أن “الاتجاه واضح والأدلة واضحة. دعونا لا نُفاجأ مرة أخرى بـ7 أكتوبر جديد”.
وتُقدم منظمة “قادة من أجل أمن “إسرائيل” نفسها على أنها أكبر حركة في “إسرائيل” تضم جنرالات وضباط احتياط، إلى جانب مسؤولين سابقين رفيعي المستوى في الموساد، والشاباك، والشرطة، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية.
ويُقدَّر عدد أعضائها بنحو 600 عضو، الذين يدعمون الفصل الأمني عن الفلسطينيين والتقدم نحو حل الدولتين ضمن إطار إقليمي.
تُعد قصة تحريف القرآن الكريم التي انكشفت في ديسمبر/كانون الأول 1960 واحدة من أخطر المؤامرات التي استهدفت الدين الإسلامي في العصر الحديث، وفق ما أوردته حلقة (2026/7/27) من برنامج “ملفات محظورة”، وهذا رابطها.
فبينما كان العالم العربي والإسلامي يعيش توترا سياسيا متصاعدا مع “إسرائيل” التي كانت قد أنهكت المنطقة بتهديداتها المائية والنووية، جاءت اللطمة الأشد: العثور على نسخ من المصحف تحتوي على تحريفات متعمدة تنقل المعنى إلى نقيضه، في جريمة كانت ستغير معتقدات ملايين المسلمين غير العرب الذين لا يتقنون قراءة القرآن.
وبدأت القصة ببرقية عاجلة أرسلها أحد أفراد سفارة الجمهورية العربية المتحدة في المغرب إلى القاهرة في ديسمبر/كانون الأول 1960، يفيد فيها بأن “إسرائيل” قامت بطبع نسخ جديدة من القرآن الكريم وتوزيعها في دول أفريقية وآسيوية.
ولم يكن التحريف بإضافة آيات جديدة أو حذفها، بل بطريقة أكثر خبثا، فقد تم حذف كلمات أساسية من آيات لتغيير العقيدة تماما، مثل حذف كلمة “غير” من آية (ومن يبتغ غير الإسلام دينا)، لتقرأ “ومن يبتغ الإسلام دينا”، وحذف كلمة “ليست” من آية الجدال بين اليهود والنصارى لتتحول إلى اعتراف كل منهما بصحة دين الآخر، إلى جانب تحريفات مشابهة في عدد من الآيات.
ويشير مؤرخون -كما توضح الحلقة- إلى أن التخوف من تحريف القرآن لم يكن وليد تلك اللحظة، بل كان مبنيا على تاريخ طويل من محاولات الصهيونية العالمية لتشويه الإسلام.
فقبل عقد من ذلك التاريخ، وبالتحديد في عام 1949، قامت دار نشر “زيف ديفيس” الأمريكية -المملوكة لرئيس المنظمة الصهيونية التصحيحية في أمريكا وليام برنارد زيف- بنشر ترجمة مشبوهة للقرآن حملت عنوان “القرآن المختصر المصمم للقراءة اليسيرة”.
وقدمت هذه الترجمة بأسلوب مبتور ومشوه، مما أثار غضب العلماء، خاصة وأنها تهدف أساسا إلى تقديم رؤية مشوهة للإسلام للجمهور الغربي، تحت غطاء التعريف بالدين.
وعندما وصلت نسخ المصاحف المحرفة إلى مصر، شكّل الجامع الأزهر لجنة عليا من كبار العلماء لمراجعتها، وأكدت اللجنة وجود تحريف متعمد بهدف إفساد العقيدة.
وأرسل شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت بيانا عاجلا إلى جميع المسلمين في العالم عبر مجلة الأزهر، محذرا من المصاحف المحرفة وداعيا إلى سحبها وإعدامها، كما بعث برقية إلى الرئيس جمال عبد الناصر يصف فيها هذه الجريمة بأنها “عدوان أثيم” على دين الله.
ولم تتأخر الحكومات العربية والإسلامية في التعامل مع تحذير الأزهر، حيث طالب مفتي الديار في السودان من المحاكم الشرعية مراجعة المصاحف، وفي الأردن صدر بيان رسمي يدين “إسرائيل”، وتم تكاتف الجهود لسحب كل نسخة محرفة وإعدامها فورا، فيما ظل مصدرها “الدقيق” مجهولا، وظلت القضية ضد مجهول.
وبما أن المواجهة لم تكن عسكرية، بل فكرية وإعلامية وصوتية، طُرح حل وصف بأنه عبقري: “الجمع الصوتي للقرآن الكريم” الذي تبناه رئيس جمعية المحافظة على القرآن الكريم الدكتور لبيب السعيد.
ورأى السعيد -كما أوضحت الحلقة- أن وجود تسجيلات صوتية كاملة للقرآن الكريم بصوت كبار القراء سيكون الحاجز الأقوى أمام أي محاولة تحريف، لأنه سيضمن نقل القراءة الصحيحة والمتواترة كما نزلت على النبي عليه السلام.
وبموافقة وزارة الأوقاف بدأ المشروع بتفرغ الشيخ محمود خليل الحصري لتسجيل المصحف كاملا دون مقابل، وبعد الانتهاء من التسجيل، وفي 18 سبتمبر/أيلول 1961، انطلق بث المصحف المرتل بصوت الحصري على موجات الإذاعة المصرية، ليبدأ عصر جديد من الحفظ الإلكتروني للقرآن الكريم، الذي تبعته إذاعات قرآنية متخصصة حول العالم، وأسطوانات وأشرطة كاسيت، وآلاف التسجيلات التي انتشرت في كل بيت مسلم.
وتُعتبر هذه الفترة من الفصول البارزة في تاريخ حفظ القرآن الكريم -بحسب الحلقة- حيث إنها أكدت إرادة الأمة الإسلامية في التصدي لأي مؤامرة، ورسخت مفهوم أن “القرآن الكريم محفوظ في الصدور لا في السطور”، وفي الأسماع قبل الأوراق.
بين انتقادات الحروب الخارجية وأسئلة الولاء للمهمة العسكرية، فجّر العسكري الأمريكي السابق شون رايان سجالا في الولايات المتحدة الأمريكية بعد حديثه عن أزمة ثقة يقول إنها تتنامى بين بعض الجنود في طبيعة العمليات التي يشاركون فيها، وقوله إن بعضهم يعتقد أنهم “يقاتلون من أجل “إسرائيل” وليس الولايات المتحدة”.
وجاءت تصريحات رايان خلال مقابلة أجراها مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، تطرق خلالها إلى مقترح تغيير اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى “وزارة الحرب”، وأداء وزير الدفاع بيت هيغسيث، ثم انتقل إلى الحديث عما وصفه بتراجع ثقة بعض الجنود بالمهمات العسكرية التي قد يُطلب منهم تنفيذها.
وخلال المقابلة، سأل كارلسون رايان عن رأيه في مقترح تغيير اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى “وزارة الحرب”، فأجاب قائلا: “أعتقد أن ذلك كان غبيا حقا. تساءلت: لماذا؟ من الواضح أن ذلك سيفسر للناس، ومن يهتم أصلا؟ وبالطبع كان لا بد من تحويل الأمر إلى استعراض إعلامي”.
وأضاف رايان أنه يرى أن وزير الدفاع بيت هيغسيث “أنجز بعض الأمور الجيدة”، مشيرا إلى إلغاء بعض سياسات التنوع والمساواة والشمول داخل المؤسسة العسكرية، وقال: “أعتقد أن ذلك أمر جيد، لقد أحسن صنعا، إذا صح التعبير”.
لكنه أبدى في الوقت ذاته شكوكه في حجم النفوذ الذي ما زال يتمتع به وزير الدفاع، قائلا: “لا أعرف حقا إلى أي مدى ما زال لوزير الدفاع نفوذ فعلي”.
وقال رايان إن معنويات الجنود شهدت، بحسب رأيه، تحسنا، مضيفا: “لا يزال لدي بعض الأصدقاء في الخدمة، لكن سأخبرك بشيء، فقد غادر بعض أصدقائي الخدمة مؤخرا”.
وقال إن هؤلاء الجنود “يعلمون حقيقة الأمر”، مضيفا: “الجميع يعلم أنهم يقاتلون من أجل “إسرائيل”، إنه أمر مثير للسخرية”.
وأضاف: “أكرر، هذا ليس كلامي، بل هذا ما يقوله الجنود أنفسهم وعناصر القوات الخاصة من المستوى الأول والثاني، حين يمزحون قائلين: هذه حرب ليست من أجلنا أصلا”.
واعتبر رايان أن أي إستراتيجية عسكرية “لا يمكن أن تنجح إذا كان الجنود لا يؤمنون بالمهمة التي قد يُطلب منهم تنفيذها”، مضيفا: “على مر التاريخ، لم تكن هذه الإستراتيجية تؤدي إلى النجاح”.
وختم بالقول: “هناك احتمال كبير بأن يُطلب منهم القيام بشيء، وهم يعلمون أن ذلك ليس من أجل الولايات المتحدة، بل من أجل دولة أجنبية. فإذا كانت تلك الدولة تريد الحرب، فلتخضها بنفسها. نحن لا ندافع عن بلدنا”.
أثارت تصريحات شون رايان تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أعاد عدد من الشخصيات والنشطاء الأمريكيين تداول مقاطع من المقابلة، بين مؤيدين لما قاله ومنتقدين لما اعتبروه خطابا يعكس حالة من الإحباط داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية.
وعلّق اللواء المتقاعد في الجيش الأمريكي مايكل فلين على تصريحات رايان، واعتبر شهادته “قوية”، في حين كتب المعلق الأمريكي جاكسون هنكل: “شون رايان: الجيش الأمريكي يدرك أنه يقاتل من أجل “إسرائيل”، إنه أمر مثير للسخرية”.
وقالت الناشطة والسياسية الأمريكية بريك وورشام إن تصريحات رايان، بحسب رأيها، تكشف أن بعض أفراد الجيش الأمريكي يدركون أنهم “يقاتلون من أجل “إسرائيل”، معتبرة ذلك “محزنا للغاية”.
كما كتب حساب جوني سانت بيت معلقا على المقابلة: “يا للروعة، يخبر شون رايان، العضو السابق في قوات النخبة البحرية الأمريكية، تاكر كارلسون بأن جميع أصدقائه من عناصر القوات الخاصة من المستوى الأول والثاني يدركون أنهم يُرسلون للقتال، ولكن ليس من أجل الولايات المتحدة”.
وفي سياق الردود، قالت الناشطة مارتن إن الجيش الأمريكي يبدو، بحسب وصفها، وكأنه “لعبة تقمص أدوار”، مضيفة أن بعض الجنود “يعودون ليكتشفوا أنهم لم يعودوا يتعرفون على البلاد التي قاتلوا من أجلها”.
وأضافت أن الجدل الذي أثارته تصريحات رايان يعكس، وفق رؤيتها، حالة أوسع من التساؤلات داخل المجتمع الأمريكي بشأن دور الجيش وطبيعة المهمات الخارجية التي يشارك فيها، معتبرة أن بعض العسكريين أصبحوا يشعرون بالابتعاد عن الأهداف التي يعتقدون أنهم خدموا من أجلها.
وتأتي هذه التفاعلات في وقت يتواصل فيه الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن دور الجيش الأمريكي في النزاعات الخارجية، خصوصا مع استمرار الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه واشنطن لـ “إسرائيل”، وسط تساؤلات وانتقادات من بعض الأصوات الأمريكية حول طبيعة هذه الالتزامات وانعكاساتها على المؤسسة العسكرية والجنود.
لم تنته حرب في التاريخ الحديث بالحسم العسكري في ميدان القتال وحده، فحين تصل الأطراف المتحاربة إلى نقطة لا يمكن المضي بعدها يصبح للوسطاء الدور الرئيسي في إخماد نيران المواجهات قبل جسر الهوة على طاولة المفاوضات.
فاتفاقية دايتون عام 1995 لم توقف المواجهات العسكرية لكنها الوساطة الأمريكية الأوروبية التي أنهت سلسلة من الإبادة الجماعية في البوسنة. واتفاقية بلفاست عام 1998 لم تُنه العنف في أيرلندا الشمالية بانتصار طرف على آخر، بل بتدخل وسيط نزع فتيل عداء استمر عقودا. والوساطة التركية بين موسكو وكييف بشأن ملف الحبوب جنّبت ملايين البشر في أفريقيا وآسيا مجاعة كانت وشيكة.
وهذا نفسه ما تكرر في الشرق الأوسط مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026؛ فبعد أكثر من 100 يوم من قتال طالت شظاياه 12 دولة بالمنطقة، لم يكن بإمكان واشنطن وطهران الوصول وحدهما إلى “مذكرة التفاهم” الموقعة في 14 يونيو/حزيران الماضي، لولا وساطة باكستانية قطرية فتحت قناة كانت مغلقة تماما، وحوّلت الجهود الحربية في ميادين المواجهات إلى مسار تفاوضي قابل للحل، ولو كان بخطى متعثرة.
غير أن توقيع المذكرة لم يقفل ملف الحرب، بل كشف عن الطرف الذي لا يريد له أن يُغلق من الأساس؛ ف”إسرائيل” اعتبرت ذلك التفاهم “فشلا إستراتيجيا” منح طهران متنفسا ماليا وسياسيا من دون تفكيك برنامجها النووي، فانتقلت مباشرة إلى فاعل نشط في تقويض المسار، بدءا من مخططات لاغتيال مفاوضين إيرانيين رفيعين، مرورا بحملة مالية وإعلامية بأكثر من 40 مليون دولار لتشويه صورة الوسطاء، وصولا إلى إبقاء الجبهة اللبنانية مشتعلة بمعزل عن أي تهدئة إقليمية.
وبين وسطاء يراهنون على أن كل يوم إضافي من الحرب هو خسارة جماعية، وطرف يرى في استمرارها فرصة إستراتيجية، يكشف هذا التقرير كيف تحولت الوساطة عبر التاريخ إلى عرف دولي راسخ، وكيف قادت دول بالمنطقة -مثل باكستان وقطر- مسار الخروج من حرب إيران، ولماذا تعمل “إسرائيل” على إفشاله، وأين وصلت الجهود القطرية العمانية المصرية الراهنة بحثا عن مخرج من التصعيد؟
يعد الوسيط النزيه تقليدا راسخا في العلاقات الدولية كلما اقترب صراع من نقطة اللاعودة، ففي تسعينيات القرن الماضي عندما شهدت البوسنة حرب إبادة جماعية وتطهيرا عرقيا لم يكن الحسم العسكري وحده ما أوقف المجزرة، بل الوساطة الدولية المكثفة التي أفضت إلى “اتفاقية دايتون” عام 1995، والتي أعادت رسم هيكل سياسي حافظ على وحدة البلاد وأقرّ سلاما لا يزال قائما حتى اليوم.
وفي أيرلندا الشمالية، حيث بدا الاقتتال بين القوميين والاتحاديين كأنه قدر لا فكاك منه، جاءت وساطة أمريكية ودولية لتصنع “اتفاقية بلفاست” عام 1998، واضعة حدا لعقود من العنف وقدّمت نموذجا يُستحضر حتى اليوم في تسوية النزاعات الأهلية المعقدة.
وفي جنوب آسيا، حيث تتقاطع حدود قوتين نوويتين، لعبت الوساطة الدولية دور الكابح الذي يحول دون الانزلاق نحو مواجهة شاملة بين الهند وباكستان، بدءا من “إعلان طشقند” عام 1966 برعاية سوفياتية لوقف حرب 1965، مرورا بتحركات دبلوماسية متكررة في أزمات كشمير لضبط خط السيطرة ونزع فتيل التهديدات النووية.
وفي أوروبا الشرقية، أثبتت الوساطة التركية فعاليتها حين هندست أنقرة اتفاقية شحن الحبوب عبر البحر الأسود بين موسكو وكييف، فتفادى العالم أزمة غذاء كانت سيتضرر منها ملايين البشر في أفريقيا وآسيا.
وللدوحة ومسقط حضور خاص في هذا الميدان؛ إذ كرّستا موقعهما عبر عقود كعاصمتين لـ”الدبلوماسية الهادئة” البعيدة عن الأضواء، من “اتفاق الدوحة” عام 2008 الذي جنّب لبنان حربا أهلية جديدة، إلى الاتفاق التاريخي بين واشنطن وحركة طالبان عام 2020، مرورا بملفات دارفور وتبادل الأسرى. في حين ظلت مسقط قناة أساسية لإذابة الجليد بين واشنطن وطهران في محطات متعددة سبقت أزمة اليوم.
مع اتساع رقعة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وجدت المنطقة نفسها أمام معضلة أعمق من مجرد وقف إطلاق نار؛ فالطرفان تفصل بينهما هوة من انعدام الثقة تمتد عقودا، وتحتاج أي محاولة لكسرها إلى وسيط يملك القنوات والمصداقية معا.
وحسب الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط محجوب الزويري، فإن هذا كان جوهر الحاجة إلى الوساطة الباكستانية القطرية؛ فالأطراف المتحاربة تعاني، على حد وصفه، من “مشكلة عميقة في التواصل” تجعل وجود طرف ثالث يفتح القنوات المغلقة أمرا لا غنى عنه، مستفيدة باكستان من جوارها الجغرافي لإيران ورغبتها في الاستقرار، بينما اتكأت قطر على تاريخ طويل في الوساطة، مقرونا برغبة أمريكية معلنة في الاستفادة من خبرتها المتراكمة.
هذه الحاجة تحولت إلى مسار فعلي حين وجدت إسلام آباد نفسها، بحكم حدودها البرية الممتدة لنحو 900 كيلومتر مع إيران واعتمادها الكامل على إمدادات الطاقة والأسمدة العابرة لمضيق هرمز، أمام معادلة “بقاء قومي” لا تحتمل التأجيل، على حد وصف الإعلامي الباكستاني والمختص في الشؤون الجيوستراتيجية جاويد رانا.
فقد جمعت باكستان، ولأول مرة منذ عام 1979، وفدي واشنطن وطهران وجها لوجه في إسلام آباد في أبريل/نيسان الماضي، مستثمرة علاقات مسؤوليها المباشرة بالإدارة الحالية في البيت الأبيض. ورغم أن تلك الجولة الأولى انتهت من دون اتفاق، فإنها أسست لمسار تفاوض متواصل خلف الكواليس، أفضى في 14 يونيو/حزيران الماضي إلى إعلان “مذكرة تفاهم” من 14 بندا، ودخوله حيز التنفيذ بعد 4 أيام بتوقيع إلكتروني من الرئيسين الإيراني مسعود بزشكيان والأمريكي دونالد ترمب، حسب تصريحات رانا للجزيرة نت.
غير أن نجاح هذا المسار ما كان ليكتمل لولا الرصيد الذي راكمته قطر عبر عقدين من الوساطات المتفرقة حول العالم، وتصف باربرا ليف مساعدة وزير الخارجية الأمريكية السابقة لشؤون الشرق الأدنى قوة الدوحة بأنها تأسست على احتفاظها بقنوات تواصل مفتوحة مع معظم حكومات العالم، بما فيها الأطراف الأكثر تعقيدا، وامتلاكها المرونة والإبداع الدبلوماسي في إدارة تلك القنوات.
وهنا، تلفت ليف -في تصريحاتها للجزيرة- إلى مفارقة جديرة بالتأمل، وهي أن إيران رغم استهداف قواعد أمريكية في قطر خلال الحرب ظلت تثق بالدوحة وسيطا، تماما كما حظيت قطر بثقة الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
وتشدد ليف على أن اللحظة الراهنة تستوجب ألا يبقى الجهد القطري فرديا، بل أن يندمج ضمن تحرك جماعي أوسع يضم الخليج وأنقرة وإسلام آباد والقاهرة وعمّان معا، باعتبار ذلك الشرط الحقيقي للوصول إلى ترتيبات مستقرة لا مجرد هدنة عابرة.
وهذا الرصيد لم يولد فجأة، بل تشكّل عبر سجل طويل من التدخلات الناجحة يستحضره وزير الدولة الصومالي السابق للشؤون الخارجية حامد ماشيي، من “اتفاق الدوحة” عام 2008، مرورا بوساطتها بين جيبوتي وإريتريا التي استدعت نشر نحو 450 جنديا قطريا على الحدود بين عامي 2010 و2017، وصولا إلى انخراطها في ملفات دارفور والصومال وتشاد.
ويؤكد الدبلوماسي الأمريكي السابق وليام لورانس أن القطريين هم “الأنسب لهذه المفاوضات”، مستدركا بأن دخول باكستان المبكر كان خيارا منطقيا لأنها لم تتأثر مباشرة بعنف الحرب، فضلا عن أن قطر قامت بأدوار الوساطة في ما يزيد على 20 صفقة دبلوماسية عبر السنين، حسب إحصاء لورانس.
في مقابل هذا الحرص الإقليمي على ترميم الثقة بين الأطراف كلها، وقفت “إسرائيل” على الضفة الأخرى تماما، معتبرة أن وقف إطلاق النار الذي نصت عليه مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران “فشلا إستراتيجيا” منح طهران شرعية وتدفقات مالية ورفعا للحصار من دون تفكيك برنامجها النووي أو ترسانتها الصاروخية.
ويذهب جاويد رانا إلى تفسير أعمق لهذا الموقف، إذ يرى أن “إسرائيل” “تريد أن تدخل إيران ودول الخليج في صراع فيما بينها”، مستشهدا بتصعيد سعودي حوثي متزامن استهدف مطار صنعاء وأربك حسابات الوساطة، في وقت لم تتعرض فيه “إسرائيل” نفسها لأي ضربة إيرانية مباشرة رغم استهداف طهران المتكرر لمصالح أمريكية في المنطقة.
ولم تكتف “إسرائيل” بالمراقبة من بعيد، بل لجأت -حسب ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين إلى مخططات أمنية مثيرة للقلق شملت التخطيط لاغتيال قادة الوفد الإيراني المفاوض أثناء تنقلاتهم الإقليمية، وهو ما دفع واشنطن إلى الطلب من دول في المنطقة تحذير طهران درءا لانهيار المسار بأكمله.
وفي موازاة ذلك، كشفت صحيفة هآرتس عن أن الحكومة الإسرائيلية ضخت أكثر من 40 مليون دولار في حملة سياسية وإعلامية استهدفت أوساط المحافظين واليمين المسيحي الأمريكي، سعت من خلالها إلى تشويه صورة الوسطاء، وفي مقدمتهم قطر، والضغط على إدارة ترمب للتراجع عن المذكرة.
كما أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عملت على فصل الجبهة اللبنانية عن أي تفاهم إقليمي، لضمان حرية توجيه الضربات على جنوب لبنان بمعزل عن مسار التهدئة.
ويقرأ محجوب الزويري -في تصريحاته للجزيرة نت- هذا السلوك في سياق أوسع، معتبرا أن مصلحة “إسرائيل” تكمن في إطالة أمد الحرب لإضعاف إيران وتقويض حلفائها كحزب الله وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وأن يظل الانخراط أمريكياً من دون مشاركة إسرائيلية مباشرة، لا سيما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحرص على بناء ما يسميه “ترتيبات ما بعد السابع من أكتوبر” الأمنية الشاملة.
وهذه الحسابات، في نظر رانا، جزء من أجندة أقدم بكثير من الحرب الحالية، إذ كانت إثارة الفوضى في المنطقة -من أفغانستان والعراق إلى سوريا وليبيا- أداة تاريخية لتسهيل التمدد الإسرائيلي، وهي أجندة يرى أن حرب إيران، على قسوتها، أعادت خلط أوراقها حين أثبتت طهران قدرة عسكرية أربكت حسابات تل أبيب وواشنطن معا، وقلّصت طبقات الدفاع الإقليمية التي كانت تحمي “إسرائيل” تقليديا عبر رادارات وقواعد الخليج.
وسط هذا الشد والجذب بين وسطاء يسابقون الزمن للوصول إلى تهدئة وطرف ثالث يسابق أيضا لإفشالهم، لم يتوقف الحراك الدبلوماسي، فقد تحدثت تقارير أمريكية عن أن قطر وباكستان مع العديد من دول المنطقة تبذل جهودا لتجنب تصعيد عسكري جديد بين واشنطن وطهران، وسط تهديدات متبادلة بضربات محتملة.
وفي موازاة ذلك، برز الدور العُماني بوصفه الذراع الأكثر حساسية لارتباطه بملف مضيق هرمز تحديدا، إذ تتركز مباحثات بين مسقط وطهران حول آليات تشغيل وإدارة المضيق والمشاورات الفنية والسياسية المرتبطة بأمن الملاحة فيه، وسط تأكيدات إيرانية باستمرار تبادل الرسائل مع واشنطن عبر وسطاء.
أما مصر، فقد وفرت بدورها قناة موازية لتبادل الرسائل الأمنية واحتواء التوترات، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع أطراف الأزمة كافة ومن ثقلها التقليدي في ملفات الأمن الإقليمي.
وفي قراءته لمخاطر التقليل من شأن هذا الجهد الجماعي، يحذر وليام لورانس -في تصريحاته للجزيرة- من أن تهميش قطر أو الوسطاء الإقليميين عموما “سيعني أن وسيطا أقل كفاءة سيتعين عليه التدخل، وسيعني أن الحرب ربما تطول”، مستحضرا مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل “التحاور أفضل دائما من التحارب”.
والخلاصة التي يقرها المحللون أن الحرب الحالية في منطقة الخليج تثبت أن الوساطة قادرة على انتزاع تفاهمات من قلب أشد الحروب دموية، لكنها تثبت في المقابل أن أي تسوية تظل مرهونة بإرادة طرفيها المباشرين، وبقدرة الوسطاء على تحييد طرف ثالث لا يخفي رغبته في إفشال هذه الجهود.
وبين حرب استنزفت المنطقة واقتصادها العالمي، ووساطة تحاول ترميم ثقة تتآكل يوميا مع كل ضربة جديدة في هرمز أو جنوب لبنان، يبقى مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط معلقا على سؤال واحد: هل تنجح الدبلوماسية الهادئة في تجاوز من يريد للنار أن تظل مشتعلة، أم يعيد التاريخ إنتاج مأساته حين يُترك قرار الحرب والسلم لمن يربح من استمرارهما؟