حرب إبادة مُمنهجة ضد المواقع التاريخية: صور وقلاع جبل عامل على قائمة التراث العالمي المُهدّد بالخطر؟
مدة القراءة: 3 دقيقة
يشن العدو الإسرائيلي حرب إبادة ضد المواقع التاريخية في لبنان، مما دفع الجمعية اللبنانية للحفاظ على صور والمديرية العامة للآثار للمطالبة بإدراجها على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.
يمارس العدو الإسرائيلي حرب إبادة مُمنهجة ضد المواقع التاريخية والأثرية في لبنان، مستكملاً ما بدأه خلال عدوان عام 2024. فمن شمع إلى الشقيف، وما قبلهما وبعدهما، لا يميّز الاحتلال بين مدينة تاريخية وأخرى، ولا بين معلم أثري وآخر. فكل ما يقع في مرمى آلته العسكرية يصبح هدفاً للإبادة والمحو، وهو ما يتكرر منذ الثاني من آذار الماضي في مدينة صور التاريخية ومحيطها الأثري.
ولم يقتصر الاستهداف على البشر، بل طاول الذاكرة والحجر أيضاً. فقد تعرّضت قلاع ومواقع أثرية، من الشقيف إلى شمع وغيرهما، لعمليات تدمير أفقدت بعضها ملامح حقب تاريخية كاملة. وحتى اليوم، لا تزال الأضرار الفعلية بعيدة عن التوثيق الدقيق بسبب استمرار العدوان في الجنوب، ما يجعل التقديرات الحالية أقل بكثير من حجم الخسائر الحقيقية، ولا سيما في ظل عمليات الجرف والنسف التي تواصلها قوات الاحتلال.
وانطلاقاً من الخشية على ما تبقّى من التراث، أطلقت «الجمعية اللبنانية للحفاظ على صور» نداءً عاجلاً تضمن خمسة مطالب، لا تهدف فقط إلى حماية ما تبقّى من المواقع الأثرية من الهمجية الصهيونية، بل أيضاً إلى أن «تكون حجتنا أقوى في مواجهة العدو في المحافل الدولية»، بحسب رئيسة الجمعية الدكتورة مهى الخليل شلبي.
واختارت الجمعية إطلاق حملتها بالتزامن مع افتتاح الدورة الـ 48 لـ«لجنة التراث العالمي» في كوريا الجنوبية، بهدف لفت الأنظار إلى الإبادة التي يرتكبها العدو ضد المدن الأثرية اللبنانية والدفع نحو إدراج مدينة صور على قائمة التراث العالمي المُهدّد بالخطر والزوال. وهو الطلب نفسه الذي تحمله المديرية العامة للآثار في وزارة الثقافة إلى اجتماعات اللجنة، بحسب المديرة الإقليمية للبنان الشمالي والمسؤولة عن تنفيذ اتفاقية لاهاي وبروتوكولها في المديرية، سمر كرم.
وبالتوازي، تعمل المديرية على طرح ملف قلاع جبل عامل لإدراجها على لائحة التراث العالمي، مع طلب تصنيفها أيضاً ضمن قائمة التراث المُهدّد بالخطر. وتشير كرم إلى أن الملف قُدّم بصفة عاجلة، ومن المتوقع أن يناقش في جلسة تعقد الجمعة أو السبت.
وفي انتظار البت في ملفي صور وقلاع جبل عامل، أعادت الجمعية اللبنانية للحفاظ على صور إحياء مطلب قديم يقضي بإعادة اعتماد المحيط الأثري الكامل لمدينة صور كما أقرّته لجنة التراث العالمي عام 1984، قبل أن يُستثنى جزء كبير منه في أواخر التسعينيات، «خدمة لمشاريع خاصة».
تعرّضت قلاع ومواقع أثرية لعمليات تدمير أفقدت بعضها ملامح حقب تاريخية كاملة
وتوضح شلبي أن نطاق الحماية المُعتمد عام 1984 لم يكن يقتصر على المدينة الأثرية المُكتشفة، بل شمل كامل المجال التاريخي الفينيقي لصور، الممتدّ من الصرفند شمالاً إلى رأس العين جنوباً، ومن التلال الشرقية، كالمعشوق والرشيدية وغيرهما، حتى البحر غرباً. إلا أن هذا الإطار تقلّص تدريجياً بفعل مشاريع عمرانية ومصالح خاصة، ليقتصر تصنيف التراث العالمي على المواقع المُكتشفة فقط، ما جعل أجزاء واسعة من المحيط الأثري والثقافي للمدينة عرضة للانتهاكات والتدمير خلال السنوات الماضية، ولا سيما في الحروب المتعاقبة.
وفي هذا السياق، دعت الجمعية إلى إرسال بعثة دولية متخصّصة لتقييم الأضرار ميدانياً، وإعداد خطة طوارئ شاملة تتضمّن توفير الدعم العلمي والتقني والمالي لإعادة تأهيل المدينة وصون تراثها الثقافي. كما طالبت بإعادة تفعيل حملة اليونسكو لإنقاذ صور وجوارها، التي أطلقت عام 1996، بهدف الحد من أي نشاط يهدّد سلامة المواقع الأثرية.
ولا تقتصر أهمية هذه المطالب على حماية ما تبقّى من المواقع التاريخية، وهي مهمة تبدو شديدة الصعوبة في ظل الهمجية الإسرائيلية، بل تكمن أيضاً في توثيق الجرائم المُرتكبة بحق التراث اللبناني، بما يعزّز موقف لبنان القانوني أمام المحاكم والهيئات الدولية. كما أن إدراج هذه المواقع على قائمة التراث العالمي المُهدّد بالخطر يمنحها مستوى أعلى من الحماية الدولية، ويؤسّس لمسار قانوني يحمّل الاحتلال مسؤولية ما ألحقه بها من دمار.
وفي موازاة ذلك، لا تزال المديرية العامة للآثار تنتظر انعقاد الجلسة الخاصة بالنظر في طلب إدراج المواقع الأثرية والتاريخية اللبنانية على قائمة الحماية، والتي رفعتها إلى منظمة اليونسكو، على أن تُعقد، وفق المعطيات، في أواخر الأسبوع الجاري.
جريدة الاخبار
الوسوم
شارك الخبر
تابع أخبار961
