by الناشر | 1 September 2026 | إقليمي ودولي
من أروقة وزارة المالية التي تحذر من “انهيار اقتصادي” إلى غرف العمليات بالجيش الإسرائيلي التي تصرخ بخلو “الخزينة”، تجري واحدة من أشرس المعارك المكتومة في تل أبيب؛ فالحرب لم تُنهك المخازن العسكرية على الجبهات المتعددة فحسب، بل فتحت جبهة استنزاف داخلية حول ميزانية الدفاع الضخمة التي تحولت إلى شرارة نزاع مستمر يهدد الجاهزية الميدانية والاستقرار الاجتماعي في وقت واحد.
ويأتي الخلاف داخل “إسرائيل” في وقت ارتفعت فيه موازنة الدفاع إلى مستويات غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع استمرار الإنفاق على العمليات العسكرية وإعادة تسليح الجيش وتعويض الذخائر والمعدات المستهلكة.
وبينما تطالب المؤسسة العسكرية بمزيد من الأموال تواجه الحكومة سؤالا أكثر تعقيدا: إلى أي حد يستطيع الاقتصاد الإسرائيلي تحمل هذا المستوى من الإنفاق العسكري، وهل يواجه الجيش الإسرائيلي فعلا أزمة تمويل تهدد جاهزيته وقدرته على إعادة بناء قوته، أم أن جوهر الأزمة يكمن في إدارة ميزانية دفاعية ضخمة تتسع مطالبها مع اتساع ساحات الحرب؟ ومن أين ستأتي الأموال الإضافية ومن سيدفع كلفتها في النهاية؟
أقرت الحكومة الإسرائيلية ميزانيتها لعام 2026 بقيمة 662 مليار شيكل، وهي الكبرى في تاريخها، متجاوزة ميزانية العام الماضي التي بلغت 650 مليار شيكل.
وتواصل “إسرائيل” رفع إنفاقها العسكري بوتيرة قياسية، حيث تقترب موازنة الدفاع وحدها من مستوى 184 مليار شيكل (62 مليار دولار)، بعدما صعدت خلال الفترة الأخيرة من 112 مليار شيكل (37 مليار دولار) ثم إلى 144 مليار شيكل (48 مليار دولار).
واستمرت الحرب الإسرائيلية في غزة لما يقرب من 3 سنوات، بلغت تكاليفها حتى الآن نحو 420 مليار شيكل (142 مليار دولار)، وستصل قريبا إلى نصف تريليون شيكل (169 مليار دولار)، وفقا لتقديرات نشرتها صحيفة هآرتس.
وقال رئيس أركان سابق لجيش الدفاع الإسرائيلي: “إن ثمن يوم واحد من الضعف رهيب، ولهذا السبب يجب ألا نصل إلى تلك النقطة مرة أخرى”، ما يعني أن المشهد الأمني الجديد والصدمة سيتطلبان مخصصات إضافية لميزانية الدفاع بمليارات الشواكل في السنوات القادمة.
وتثير هذه الأرقام الفلكية المخاوف في الداخل الإسرائيلي وأسئلة كثيرة حول توفير هذه الأموال قدرا كافيا من الأمن، ولأي أجل من الوقت؟ وهل كان من الممكن تحقيق ما تدعي “إسرائيل” تحقيقه بتكلفة أقل؟ والسؤال الملح بشكل خاص: من سيدفع هذه النفقات؟
أما عن هذه الارتفاعات القياسية فتعود إلى استمرار العمليات العسكرية وتزايد كلفة استدعاء قوات الاحتياط، إلى جانب الحاجة المستمرة لتعويض مخزونات الأسلحة والذخائر التي استُهلكت خلال الحرب.
يُضاف إلى ذلك اتساع رقعة الانتشار الإسرائيلي من غزة وصولا إلى سوريا ولبنان، وسط حالة من عدم اليقين بشأن التعامل مع إيران في ظل تلميحات وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين بالاستعداد لاستئناف الحرب عليها، فضلا عن التلميحات المتكررة بضم أجزاء من الضفة المحتلة وما يفرضه ذلك من التزامات عسكرية وأمنية جديدة.
أمام هذه التطورات، ترى المؤسسة الدفاعية أن المخصصات الحالية لم تعد تتناسب إطلاقا مع حجم المهام الكثيرة التي تطلبها القيادة السياسية. وهو ما أدى في النهاية إلى تفاقم الضغوط الشديدة على الموازنة العامة للدولة، وارتفاع حجم الديون، ومخاوف في سوق العمل الإسرائيلية.
كيف هددت أزمة “الخزينة الفارغة” جاهزية الجيش الإسرائيلي؟
يتغلغل هذا الضرر عمقا في التشغيل اليومي وإعادة بناء القدرات متعددة الجبهات، فإلى جانب الصعوبات في إصلاح الدبابات، هناك حاليا نقص حاد في مئات المركبات الميدانية من نوع “هامر” التي دُمرت في القتال بلبنان.
كما أن غياب الأفق المالي يغلق نافذة الفرص لإجراء مشتريات إضافية، إذ من المتوقع أن يوقف الأمريكيون قريبا إنتاج مركبات الهامر بالتصميم الإسرائيلي.
وبالموازاة مع ذلك، فإن خطوط إنتاج الذخائر البرية في الصناعات الأمنية المحلية قريبة من الانتهاء، ولا يمكن الاعتماد على شركات مثل “إلبيت” و”رعفائيل” لتمويل المؤسسة الأمنية من جيبها الخاص.
ولا تتوقف الأزمة المالية عند القوات البرية، بل تضرب أيضا التفوق الإستراتيجي لسلاح الجو، ومن الأمثلة البارزة على ذلك انهيار صفقة مروحيات هجومية من طراز “أباتشي” مع الإدارة الأمريكية، فبعد أن قدم الأمريكيون مخططا رسميا، وقفت شعبة الموازنة لمنع وصول الصفقة لإقرار المستوى السياسي، وبعد عدة تمديدات لطول الصلاحية طلبتها وزارة الدفاع والجيش، انتهت صلاحية الصفقة رسميا.
ما الأسباب التي أدت لاتساع الفجوة المالية بين مطالب الجيش وتكليفات الحكومة؟
اتسعت الفجوة بين توجيهات المستوى السياسي والميزانية الفعلية إلى 40 مليار شيكل بسبب الدخول في مناورة عميقة في لبنان؛ ومعركة استمرت 40 يوما ضد إيران، والسيطرة على 62% من مساحة قطاع غزة، وإقامة حزام أمني في سوريا، ونشاط متزايد في الضفة الغربية وعلى الحدود الشرقية بما في ذلك التعامل مع تهديدات الطائرات المسيرة هناك، وذلك بعد أن فرض المستوى السياسي ميزانية تبلغ 111 مليار شيكل بدلا من 143 مليارا كان قد طلبها الجيش، وفقا لصحيفة يدعوت أحرونوت.
وفي المقابل، تدحض المؤسسة الأمنية بشدة ادعاءات وزارة المالية وكأن الجيش الإسرائيلي يحصل على ميزانيات غير محددة دون رقابة كافية، ويشير الجيش إلى وجود آليات رقابة صارمة تشتمل على المحاسب العام الذي يوقع على كل طلبية، وممثلي محاسب داخل وزارة الدفاع، ومحاسب في مديرية الميزانيات تم تجنيده ومنحه رتبة عقيد.
والآن، مع تخوف من شلل سياسي في فترة الانتخابات وغياب قانون ميزانية معتمد حتى صيف 2027، يؤكد الجيش الإسرائيلي أنه حتى كبار المسؤولين في الاستشارة القانونية للحكومة اقتنعوا بأن الاحتياجات العاجلة المعروضة -وبالأخص مشكلة المخزونات وخطوط الإنتاج التي تتجه للتوقف في الأسابيع القادمة- هي احتياجات ضرورية جدا حتى في فترة الانتخابات.
فالذخائر، وقطع الغيار للمنصات البحرية والبرية، ووسائل حماية الحدود، كلها احتياجات لا علاقة لها بالسياسة مطلقا، ويدعي الجيش الإسرائيلي أنه “يجب تحويل الـ15 مليار شيكل التي تم الاتفاق عليها فورا وفتح الميزانية في الحكومة لإيجاد أفق للتخطيط، لأن الثمن الذي لن يُدفع الآن مالا، سُيدفع غدا من أمن الدولة” بحسب جيش الاحتلال.
كيف ردت وزارة المالية على اتهامات الجيش بشأن “الخزينة الفارغة”؟
رفضت وزارة المالية اتهامات الجيش ونفت أن تكون الـ15 مليار شيكل عالقة لديه، مؤكدة أنه تم تحويل الميزانية إلى لجنة المالية في الكنيست منذ الثاني من أغسطس/آب وتنتظر الموافقة البرلمانية.
ووصف كبار المسؤولين في المالية المؤسسة الأمنية بـ”الإدارة المهملة للميزانية”، وبإطلاق فقاعات إعلامية لتخويف الجمهور والجحود تجاه جهود الوزارة التي ضاعفت ميزانية الدفاع نحو 3 مرات خلال عامين، واضطُرت للاستدانة وتجنيد ديون هائلة من الأسواق العالمية لتمويل الحرب.
كما حذرت المالية من أن التمادي في تلبية طلبات الجيش سيجعل ميزانية الدفاع تلتهم نحو ثلث ميزانية الدولة -وهو وضع غير مسبوق عالميا- مشيرة إلى أن هذا الإنفاق يأتي على حساب المستشفيات، وسلة الأدوية، والفئات الضعيفة، وبناء البنية التحتية، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى انهيار الاقتصاد وعدم القدرة على تمويل أي مواجهة مستقبلية.
عندما شعرت “إسرائيل” بأن الحرب ستكون أطول مما كان مخططا له، ومع فتح جبهات بعيدة مثل إيران واليمن، بدأت وزارة المالية في اتخاذ قرارات حاسمة، وفي مقدمتها زيادات ضريبية بقيمة نحو 35 مليار شيكل (12 مليار دولار) لتمويل الحرب في عام 2025.
وقد قامت بعد ذلك 3 وكالات للتصنيف الائتماني بخفض تصنيف “إسرائيل”، بعدما كانت الوزارة تخشى أنه في ظل غياب زيادات ضريبية كبيرة، فإن التصنيف سيهبط أكثر، مما يؤدي إلى أزمة مالية.
وكانت الزيادة الضريبية هي الخطوة الاقتصادية الأهم التي قادها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش خلال الحرب، على الرغم من أنها لم تمنعه من الاستمرار في تحويل ما يُسمى بـ”أموال الائتلاف” للمصالح الموالية للحكومة.
وكانت تلك الزيادة الضريبية مجرد وجبة أولى تمهيدا لزيادات ضريبية متوقعة بعد الانتخابات، إذ استمرت الحرب ما يقرب من 3 سنوات، خلافا للعقيدة الأمنية الإسرائيلية التي كانت تسعى دائما لشن حملات قصيرة، وكان هذا ممكنا بسبب 3 عوامل: جنود الاحتياط الذين توافدوا بأعداد كبيرة لفترات ممتدة، والدعم والمساندة الأمريكية، وصمود الاقتصاد الإسرائيلي، وفقا لهآرتس.
أما الآن، فتتداخل التحديات الاقتصادية مع الأزمات الأمنية لتشكل ملامح المعركة الأهم في الأروقة الإسرائيلية حيث ترسم في أذهان صناع القرار سلسلة من الهواجس المعقدة حول “اليوم التالي” والقرارات المنتظر اتخاذها بعد الانتخابات، وتتمثل في هاجس الفاتورة ومصدر التمويل و خطر انهيار منظومة الاحتياط -وهو أمر حذر رئيس الأركان زامير مرارا وتكرارا من إمكانية حدوثه- ومصير الدعم الأمريكي في عهد الرئيس دونالد ترمب.
by الناشر | 1 September 2026 | إقليمي ودولي
حمّل رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري الدولة ومؤسساتها العسكرية والدستورية مسؤولية حفظ الجنوب اللبناني والدفاع عنه، محذرا من أن هدف “إسرائيل” هو إحداث الفتنة واستهداف السلم الأهلي في لبنان، في وقت واصل فيه الجيش الإسرائيلي غاراته وقصفه المدفعي وعمليات التفجير في بلدات جنوبية.
وأوضح بري أن المساحة المحتلة اتسعت بعد 7 جولات من المفاوضات، مؤكدا استمرار “إسرائيل” في حربها على البلاد.
ميدانيا، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية بأن طائرات مسيرة إسرائيلية حلقت على علو منخفض فوق الضاحية الجنوبية لبيروت.
وفي التطورات الميدانية جنوبي لبنان، نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرا ضخما في بلدة كفرتبنيت التابعة لقضاء النبطية، إضافة إلى تفجير آخر في بلدة حولا بمحافظة مرجعيون.
وأقدم الجيش الإسرائيلي، صباح اليوم، على إحراق عدد من المنازل في بلدة حولا، بالتزامن مع استهداف مدفعيته مجددا لبلدة المنصوري في قضاء صور.
وكانت صحيفة معاريف الإسرائيلية قد ذكرت، السبت، أن الجيش لا يعتزم الانسحاب من منطقة مرتفعات علي الطاهر، رغم ضغوط أمريكية لمواصلة الانسحاب، في موقف يتعارض مع مسار تفاوضي برعاية واشنطن يستهدف استكمال انسحاب قوات من الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
by الناشر | 24 August 2026 | إقليمي ودولي
شنّ الإعلامي الأمريكي البارز جينك أويغور، مؤسس شبكة “ذي يانغ توركس- تي واي تي” (The Young Turks- TYT)، هجوما لاذعا وغير مسبوق على وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، واصفا إياه بـ”القاتل المتسلسل” و”الإرهابي”.
وجاء هذا الهجوم تعقيبا على تفاخر الأخير ببدء تشييد منشآت ومشانق مخصصة لإعدام الأسرى الفلسطينيين، في خطوة اعتبرها البرنامج تجسيدا للفاشية والنازية الحديثة.
خلال حلقة من البرنامج شاركه فيها المضيف جون إيادورولا، استعرض الإعلاميان مقطع فيديو يظهر فيه بن غفير وهو يرتجف فرحا بإنشاء جناح سجن جديد يضم منشأة للإعدام شنقا، صُممت خصيصا لتشمل منصات تتيح لعائلات القتلى الإسرائيليين مشاهدة عمليات الإعدام.
وأوضح إيادورولا أن هذا التطور يأتي استنادا إلى قانون عقوبة الإعدام الذي أُقر مؤخرا، والذي صيغ بطريقة تمييزية تجعله حصريا للفلسطينيين، إذ يُطبق فقط على جرائم تُرتكب بقصد “إنكار وجود دولة “إسرائيل”.
وأشار إلى أن هذا القانون يمنح القضاة العسكريين سلطة الإعدام، بينما يُستثنى الإسرائيليون اليهود فعليا من هذه العقوبة.
وفي تعليقه الأقوى، هاجم أويغور الوزير الإسرائيلي بن غفير قائلا: “هذا الرجل قاتل متسلسل حرفيا، لقد ساعد في قتل عشرات الآلاف، بينهم أكثر من 23 ألف طفل في غزة، وفعل ذلك بابتهاج وسرور”.
وشبّه أويغور ممارسات بن غفير وحكومته بالأيديولوجيا النازية، مضيفا: “إنهم يقولون إن الفلسطينيين ليسوا بشرا، هذه هي الطريقة التي يتحدث بها النازيون حرفيا.. يعتقدون أنه يُسمح للشعب المختار بقتل من يريدون وسرقة أراضيهم”.
كما تطرق الحوار إلى الانتهاكات المروعة داخل السجون الإسرائيلية، التي تحولت وفقا لمنظمات حقوقية إسرائيلية ودولية إلى “معسكرات اعتقال وتعذيب”. وأشار أويغور إلى تعمد ترك الأسرى مقيدين لفترات طويلة جدا، مما أدى إلى حدوث التهابات أسفرت عن “عمليات بتر أطراف جماعية بشكل يومي”، مشبها هذه الفظائع بجرائم الطبيب النازي جوزيف منغيلي.
واستشهد أويغور بشهادات أطباء أمريكيين عائدين من غزة، أكدوا فيها أن قناصة إسرائيليين يستهدفون الأطفال بشكل متعمد يوميا بطلقات في الرأس والصدر.
ولم يقتصر الهجوم على أحداث غزة، بل انتقد الإعلاميان بشدة تصريحات بن غفير التي طالب فيها بـ”سحق بيروت وقصفها”، متذرعا بحماية ابنه الذي يخدم في جيش الاحتلال داخل لبنان.
وندد البرنامج بتفاخر الجنود الإسرائيليين بتصوير أنفسهم وهم ينهبون المنازل اللبنانية ويدمرون الكنائس وتماثيل المسيح، مشيرين إلى أن الاحتلال يحاول التستر على هذه الجرائم بسلاح تهمة “معاداة السامية”.
وفي ختام الحوار، وجه أويغور انتقادا لاذعا لوسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، مستنكرا تواطؤها ورفضها إدانة بن غفير، واستمرارها في تصوير “إسرائيل” على أنها “الضحية” وجيشها بأنه “الأكثر أخلاقية”.
وتساءل أويغور: “أي نوع من الوحوش يجب أن تكون لتستمر في الكذب على جمهورك؟ يجب أن تكون شريرا من نوع خاص لتكون بهذا القدر من اللاأخلاقية”.
وحرص أويغور على التفرقة بوضوح بين الديانة اليهودية والحركة الصهيونية، مشددا على أن الصهيونية “شكل سام من القومية يشبه تلك التي أدت إلى المحرقة (الهولوكوست) في أوروبا، وقد تحولت اليوم إلى فاشية واضحة تقود “إسرائيل” إلى مكان مظلم جدا”.
by الناشر | 24 August 2026 | إقليمي ودولي
هل يمكن لطائرات ورقية أن تستدعي استنفارا أمنيا ووعيدا عسكريا إسرائيليا بتنفيذ اغتيالات وإخلاء أحياء سكنية كاملة في قطاع غزة؟
بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يبدو أن تحليق هذه الطائرات بات كافيا، لاستدعاء خطاب التصعيد، في مشهد يعيد إلى الواجهة -وفق مراقبين- نمطا إسرائيليا سابقا في التعامل مع ألعاب الأطفال بوصفها “تهديدا أمنيا”.
وبحسب مدير مكتب الجزيرة في فلسطين، وليد العمري، فإن وسائل الإعلام والمؤسسة الإسرائيلية الرسمية، سواء كانت عسكرية أو سياسية، ضخّمت هذه المسألة، وأظهرتها بصفتها خطرا على “إسرائيل”.
لكن ما وُصف بـ”التضخيم المفتعل” لطائرات الأطفال الورقية، ينطوي على مساع إسرائيلية حثيثة من نتنياهو -في نظر محللين- في سبيل تفجير الموقف وتبرير مزيد من التصعيد وتحقيق مآرب سياسية وانتخابية.
ووفق هيئة البث الإسرائيلية، فإن جيش الاحتلال يستعد لتوجيهات من القيادة السياسية، من أجل تكثيف عمليات الاغتيال وزيادة الهجمات في قطاع غزة، عقب الحديث عن تحليق طائرات ورقية من القطاع باتجاه المستوطنات القريبة منه.
وسبق هذا التأهب، تهديد علني من نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، في بيان مشترك، بتنفيذ اغتيالات وإخلاء أحياء في غزة، “إذا لم توقف (حركة المقاومة الإسلامية) حماس إطلاق الطائرات الورقية والمسيّرات فورا”.
وفي سبيل شيطنة اللعبة وتعبئة الرأي العام، أطلقت وسائل الإعلام الإسرائيلية على الظاهرة اسم “إرهاب الطائرات الورقية”، بل وذهب وزير الدفاع كاتس إلى حد وصف كل عملية إطلاق بأنها “عمل حربي بكل معنى الكلمة”.
وتصاعد الاستنفار الإسرائيلي، رغم الإقرار بعدم احتواء هذه الطائرات أي متفجرات، مقارنة مع ما حصل عام 2018 حين أُطلقت طائرات ورقية وبالونات حارقة من غزة وأشعلت حرائق في مناطق زراعية بالمستوطنات المحاذية للقطاع.
ويضاف إلى ذلك، ما أفادت به هيئة البث بأن ما ورد في المعلومات التي عُرضت على كاتس خلال نقاش المسألة، تخلص إلى أن الطائرات الورقية كان يُطلقها أطفال ومراهقون.
وكانت هيئة البث ذكرت نقلا عن مصدر عسكري أنه في الأيام الأخيرة، عُثر على 10 طائرات ورقية وهي خالية من المتفجرات في مستوطنات غلاف غزة، مشيرا إلى أنه يجري “التحقق من احتمال قيام حماس بتفقد المنطقة”.
ورغم عدم رصد أي عبوات حارقة على أي من الطائرات الورقية، إلا أن الجيش الإسرائيلي يُرجح -بحسب الهيئة الإسرائيلية- أنها أُطلقت بتوجيه من حماس، في إطار رغبة الحركة في اختبار قدرة جيش الاحتلال على الرد، ومعرفة ما إذا كان إطلاق الطائرات الورقية سيُقابل بإطلاق نار أو أي رد إسرائيلي آخر.
ومساء الأحد، اعتبرت حركة حماس أن تهديد “إسرائيل” باستهداف مناطق في قطاع غزة و”تهجير سكانها، واتخاذ ألعاب الأطفال ذريعة لذلك”، يؤكد النية المبيتة لمواصلة الحرب، والمضي في “مخططات التهجير والإبادة، بذرائع واهية”.
وفي بيانها، دعت الحركة الإدارة الأمريكية والدول الوسيطة إلى تحمل مسؤولياتها، وإدانة تصعيد الحكومة الإسرائيلية، وإلزامها بخريطة الطريق المؤدية إلى وقف حقيقي لإطلاق النار في قطاع غزة.
وقالت حماس إنها حذرت سابقا من خطورة المزاعم والتهديدات التي يطلقها الاحتلال بشأن الطائرات الورقية، مشيرة إلى أنها في الأساس ألعاب أطفال في مخيمات النزوح، في حين يحتل الجيش الإسرائيلي نحو 70% من أراضي القطاع.
ويؤكد الناطق باسم الحركة حازم قاسم أن هذه التهديدات القائمة على اختلاق الذرائع، هي محاولة لتبرير “استمرار العدوان والانتهاكات ضد الشعب وصولا إلى تهديد الأطفال في قطاع غزة”.
ويأتي هذا التصعيد الإسرائيلي، في ظل مساع من الولايات المتحدة والدول الوسيطة، في سبيل التوصل إلى تفاهمات بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، المبرم في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد أعلن الشهر الماضي أن “مجلس السلام” توصل إلى اتفاق مع حماس بشأن نزع سلاحها، يتضمن التزام “إسرائيل” بتنفيذ تعهداتها بموجب الاتفاق.
وأقر مجلس السلام نهاية يوليو/تموز خريطة الطريق المؤلفة من 15 بندا، تشمل انسحاب “إسرائيل” من القطاع، وإدخال المساعدات وبدء الإعمار، وبينما وافقت عليها حماس، أعلنت “إسرائيل” رفضها.
وبالنسبة للخبير في الشؤون الإسرائيلية، عادل شديد، فقد كان واضحا أن “إسرائيل” تبحث عن ذريعة للتصعيد، لا سيما بعد أن وافقت حركة حماس على خريطة الطريق، وحظيت بتأييد الوسطاء وثمانية دول عربية وإسلامية، مما أربك الحسابات الإسرائيلية، وقطع الطريق أمام مخطط كان يعده نتنياهو وكاتس، لتوسيع التصعيد على قطاع غزة قبيل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
ويرجّح شديد في حديث للجزيرة أن القطاع سيكون أمام ما وصفه بـ”تصعيد دموي كبير”، إذا لم يعمد الوسطاء إلى الضغط على الإدارة الأمريكية، من أجل وقف المخطط الإسرائيلي.
ويخلص الخبير في شؤون الاحتلال إلى أن نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب إبادة جماعية– يشعر بضغط الرأي العام الإسرائيلي عليه، بالنظر إلى أنه لم يحقق أيا من أهداف حرب الإبادة على غزة، وبالتالي سيلجأ إلى التصعيد بحثا عن هدفين رئيسيين:
الأول: إعادة صورة نتنياهو بصفته رجل الأمن.
الثاني: إعادة طرح الخطاب الأمني والتصعيدي واستحضار أجواء الحروب، عشية الانتخابات، بما يتيح لنتنياهو صرف الأنظار عن قضايا الفساد التي تلاحقه.
وأمام هذه المعطيات، لا يستبعد شديد لجوء نتنياهو إلى التصعيد في غزة سعيا إلى إفشال الانتخابات عبر تأجيلها أو إلغائها، لا سيما في ظل ما تُظهره استطلاعات الرأي بأن حزب الليكود الذي يقوده، لا يحظى بفرص واسعة لتشكيل الحكومة المقبلة.
ويتفق المحلل السياسي حسام شاهين، مع ما ذهب إليه شديد، موضحا أن جوهر المشكلة يرتبط باقتراب الانتخابات الإسرائيلية، إذ لطالما استخدمت “إسرائيل” الدم الفلسطيني والتصعيد ضد الفلسطينيين، كأحد الأوراق في الانتخابات.
لكن في الوقت نفسه، يرى شاهين أن نتنياهو لا يحتاج إلى اختلاق قضية كبرى، انطلاقا من قضية الطائرات الورقية، معتبرا أن الهدف الأساسي يتمثل في دفع الفلسطينيين نحو التهجير، والتملص من أي استحقاق سياسي قد يكون قادما في المرحلة المقبلة.
ويؤكد شاهين للجزيرة أن ما يجري يندرج ضمن “سياسة إسرائيلية قديمة جديدة”، تتمثل باللجوء إلى التصعيد كلما لاحت آفاق للتقارب في وجهات النظر، أو برز ضغط دولي للدفع نحو حل سياسي، إذ تتخذ “إسرائيل” من ذرائع واهية مثل الطائرات الورقية، مبررا للتنصل من استحقاقات سياسية.
by الناشر | 24 August 2026 | إقليمي ودولي
تتصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة، وسط اتهامات لجيش الاحتلال الإسرائيلي بالعجز عن وقفها، رغم إعلانه مناطق عدة “مناطق عسكرية مغلقة”. وفي بلدة الطيبة ذات الغالبية المسيحية، تبدو الهجمات المتكررة جزءا من واقع يومي يهدد السكان ويزيد مخاوفهم من موجة نزوح جديدة.
ويروي هنري بودكين، في تقرير بصحيفة تلغراف البريطانية، أن المستوطنين في الضفة الغربية يشنون هجماتهم عادة مع غروب الشمس، مستخدمين المركبات والعصيّ والحجارة، ويعمدون إلى تحطيم النوافذ وإشعال الحرائق والاعتداء على السكان.
ويقول إنه شاهد هجوما استهدف عائلة بدوية قرب الطيبة، شرقي مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، حيث حاصر مستوطنون أفرادها لأكثر من ساعة، رغم أن المنطقة خاضعة لأمر عسكري إسرائيلي يمنع الدخول إليها. ويشير التقرير إلى أن مستوطنين حاولوا اقتحام منزل نايف الكعابنة، لكن سياجا جديدا من الأسلاك الشائكة حال دون ذلك، فيما واصل المهاجمون رشق المكان بالحجارة.
ويضيف بودكين أن سكان البلدة يعيشون تحت ضغط مستمر، إذ تتكرر الهجمات عدة مرات يوميا، بينما تنتشر البؤر الاستيطانية غير القانونية حول البلدة.
ويشير التقرير إلى أن العنف لا يقتصر على الطيبة، بل يمتد إلى قرى أخرى، بينها قُصرة، حيث فرض مستوطنون حصارا على عدد من المنازل، وقطعوا الطرق وإمدادات الكهرباء والمياه، وحاصروا نحو 15 شخصا، بينهم أطفال.
ورغم نشر الجيش الإسرائيلي قوات إضافية وإعلانه القرية “منطقة عسكرية مغلقة”، لم يتمكن من إبعاد جميع المستوطنين. كما مُنع الصحفيون من الوصول إلى السكان المحاصرين، بينما أظهرت تسجيلات مصورة جنودا إسرائيليين إلى جانب مستوطنين، بل ويصلون معهم في بعض الحالات.
وينقل بودكين عن الحاخام الإسرائيلي أريك أشيرمان، الناشط في مجال حقوق الإنسان، قوله إن ما يحدث يمثل تغيرا خطيرا، معتبرا أن هناك دعما رسميا لا للمستوطنين فقط، بل للعنف الذي يمارسونه بهدف السيطرة على الأرض ودفع الفلسطينيين إلى الرحيل.
ويذكر تقرير تلغراف أن الأمم المتحدة أفادت بأنه تم إفراغ 38 تجمعا فلسطينيا في الضفة الغربية من سكانهم منذ عام 2023، فيما نزح آلاف الفلسطينيين خلال النصف الأول من العام الجاري بسبب هجمات المستوطنين وعمليات الهدم.
وتعاني قرية الطيبة أيضا من تداعيات اقتصادية خانقة، إذ تسببت الحواجز وإغلاق الطرق في تعطيل حركة التجارة، وألغيت فعاليات محلية خوفا من هجمات المستوطنين. ويحذر الأب جاك نوبل عبيد، كاهن الكنيسة الكاثوليكية في البلدة، من أن استمرار العنف قد يشعل “انتفاضة ثالثة”، داعيا الشبان إلى ضبط النفس.
ويخلص التقرير إلى أن تصاعد اعتداءات المستوطنين، مع صعوبة فرض القانون عليهم، يضع سكان الضفة الغربية أمام واقع أكثر خطورة، ويثير مخاوف من اتساع دائرة العنف والنزوح، في وقت تتزايد فيه التوترات السياسية داخل “إسرائيل” قبل الانتخابات المقبلة.