يكشف التدقيق في إعلان «اليونيفيل» عن العثور على أربعة أطنان من المتفجرات المشتقة من مادة نيترات الأمونيوم في بلدة حولا الجنوبية، عن أسئلة تتجاوز الرواية التي رافقت الخبر، ولا سيما لجهة مصدر هذه المواد وكيفية وصولها إلى المكان.
فقد أعلنت القوة الدولية، في خبر «ناقص» نشرته على موقعها الإلكتروني، العثور على المتفجرات من دون تقديم تفاصيل حول مصدرها أو ظروف وجودها. إلا أن الصور التي نشرها الموقع تُظهر غالونات تحتوي هذه المواد، وهي الغالونات نفسها التي سبق لقوات الاحتلال الإسرائيلي أن نشرت صوراً لجنودها وهم ينقلونها إلى مناطق عملياتهم، حيث تُستخدم في تفجير المنازل.
ويُذكر أن العدو لجأ خلال المدة الماضية إلى استخدام مسيّرات كبيرة الحجم لإسقاط هذه الغالونات فوق مناطق يعتقد بوجود المقاومة فيها، قبل تفجيرها، وهو ما حصل، وفق المعطيات المتوافرة، قبل أيام في التلال المحيطة بمرتفع علي الطاهر شرق النبطية.
وعلمت «الأخبار» من مصدر عسكري معني أن هذه المواد المتفجرة تعود إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما تؤكده أيضاً الكتابات الظاهرة بالعبرية على بعض أغلفتها. كذلك نقلت وكالة الصحافة الفرنسية، أمس، عن مصادر أمنية لبنانية تأكيدها أن هذه المتفجرات هي من بقايا المواد التي يستخدمها جيش الاحتلال منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، في عمليات نسف القرى والأحياء الجنوبية، ضمن سياسة الاستخدام المكثف للمتفجرات بهدف إحداث أكبر قدر ممكن من الدمار في البنى التحتية والبيئة الطبيعية، وطمس معالم المنازل والطرقات في المناطق الحدودية.
ويثير نشر «اليونيفيل» الخبر بهذه الصيغة وفي هذا التوقيت جملة من التساؤلات. فالكمية المذكورة عُثر عليها في الثاني من تموز الجاري، إلا أن الإعلان عنها تأخر حتى الآن، وجاء ضمن خبر عام يتعلق بإزالة مخلفات الذخائر. وتشير المعطيات إلى أن نشر هذه المعلومات أحدث إرباكاً داخل القوات الدولية نفسها، بعدما كانت القضية محاطة بدرجة عالية من السرية، إلى حد أن عدداً من المعنيين لم يكن على علم بها.
كذلك، لم تُبلّغ «اليونيفيل» الجيش اللبناني بما عثرت عليه، رغم أن تبادل هذه المعلومات يفترض أن يكون جزءاً أساسياً من آلية التنسيق بين الجانبين، ولا سيما أن المواد المضبوطة تمثل دليلاً مادياً على استخدام هذا النوع من المتفجرات في عمليات تدمير طاولت منازل وبلدات جنوبية. كما أن امتناع البيان الرسمي عن الإشارة إلى مصدر هذه المواد، رغم معرفة هويتها، زاد من علامات الاستفهام حول خلفيات نشر الخبر.
ويعكس أداء قيادة «اليونيفيل»، وفق مصادر متابعة، قصوراً في تقدير حساسية الواقع اللبناني، بما أدى عملياً إلى خدمة الرواية الإسرائيلية عبر تغييب مسألة استخدام الاحتلال لهذه المتفجرات في تدمير مناطق مأهولة، وفتح الباب أمام إعادة استحضار الاتهامات المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت. أما القراءة الأكثر تشدداً، فتعتبر أن ما جرى لم يكن مجرد خطأ في التقدير، بل كان عملاً مقصوداً من جهات داخل القوة الدولية بهدف خلق موجة إعلامية تستهدف حزب الله.
قيادة القوات الدولية أخفت الخبر عن الجيش، ثم نشرت صوراً تطابق صوراً لجنود الاحتلال وهم ينقلون «غالونات النيترات» تمهيداً لتفجير المنازل جنوباً
وجرياً على عادتها، استغلّت وسائل الإعلام المعادية للمقاومة الخبر وحولته إلى مادة سياسية وإعلامية لتوجيه الاتهامات إلى حزب الله، قبل أيام من ذكرى انفجار مرفأ بيروت. وظهر ذلك بوضوح في التغطية التي اعتمدتها بعض الصحف، ومنها «النهار» في عددها أمس، حيث تعمّدت الإيحاء بوجود صلة بين الواقعتين.
وعلّقت بلدية حولا على الأمر، معتبرة أن ما جرى «واحد من أعمال العدو الإسرائيلي الإجرامية، ومؤشر خطير لا يمكن تجاهله أو التقليل من دلالاته». وأكدت أن العثور على هذه المواد يشكّل «جريمة موصوفة وتهديداً مباشراً للبلدة»، محمّلة “إسرائيل” «المسؤولية الكاملة والمباشرة عن إدخال أو استخدام أي مواد متفجرة أو خطرة داخل الأراضي اللبنانية، وما قد ينجم عنها من كوارث». وطالبت السلطات اللبنانية بفتح تحقيق رسمي، واتخاذ التدابير القانونية والدبلوماسية اللازمة لحماية المواطنين والأرض.
علمت «الأخبار» من مصادر مطّلعة أن الولايات المتحدة عادت عملياً إلى تغطية استمرار الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، بعدما أظهرت اتصالات في الأيام الماضية انتقال الضغط الأميركي من “إسرائيل” لتسريع الانسحاب إلى الجانب اللبناني، ولا سيما الجيش، للمطالبة بخطوات إضافية «تطمئن “إسرائيل” وتتيح الانتقال إلى مرحلة ثانية من العمل في المناطق التجريبية. فيما أبلغت القيادة الوسطى في الجيش الأميركي الجانبين اللبناني والإسرائيلي العمل على إنشاء آلية تنسيق تمنع الاحتكاك بين الطرفين، مؤكدة استمرار التنسيق مع قيادة الجيش للتحقق من مسار نزع السلاح.
وبينما كان الجانب الأميركي يقرّ سابقاً بأحقية لبنان في المطالبة بإخلاء قرى محتلة، بدأ يتبنى الرواية الإسرائيلية القائلة إن الجيش اللبناني قد لا يكون قادراً على تنفيذ المهمة. ويتركز النقاش خصوصاً حول تلة علي الطاهر، حيث تطالب “إسرائيل” بدخول الجيش إلى المنشآت الموجودة فيها والتثبت من خلوها من أي وجود أو سلاح للمقاومة، معتبرة أن هذه المنطقة تمثل «الاختبار الحقيقي» لقدرة الجيش، إضافة إلى المشاعات الواقعة في خراج بلدات فرون والغندورية وصريفا التي لم تتمكن قوات الاحتلال من الوصول إليها خلال الحرب.
ميدانياً، شهد الجنوب أمس تطوراً لافتاً، إذ أعلن العدو أن حزب الله استهدف جرافة من طراز D9 في مرتفعات علي الطاهر بواسطة مسيّرة انتحارية، بعد ساعات من جولة لرئيس أركان جيش الاحتلال في المناطق المحتلة.
ونشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن الجيش الإسرائيلي «يضغط على المستوى السياسي لتفجير كميات من المتفجرات زرعها قبل ثلاثة أسابيع داخل مسار الأنفاق في تلة علي الطاهر». وأشارت إلى أن الجيش ينتظر موافقة نتنياهو بعدما استجاب الأخير لطلب الرئيس الأميركي» بعدم القيام بالتفجير. ولفتت الصحيفة إلى زيارة رئيس الأركان إلى المناطق المحتلة أمس، ودعوته القوات إلى «الاستعداد للعودة الفورية إلى القتال»، مشيرة إلى أن الموافقة على التفجير «ستكون رداً ملائماً (على حادث المسيّرة)»، و«سيعني أننا سنستأنف القتال ضد حزب الله».
ويأتي ذلك عشية جلسة روما المقررة يومي 4 و5 آب المقبل، التي يُفترض أن تحدد مسار التفاهمات التي أعقبت لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو.
ولم يكن الإعلان عن الاستهداف مجرد كشف عن حادث أمني، بل يؤسس لسردية تسعى تل أبيب إلى توظيفها مع اقتراب استحقاق روما، عبر التلويح برد عسكري «محسوب».
ويبدو واضحاً أن “إسرائيل” تحاول استثمار هذا التطور لتشديد شروطها التفاوضية، لا سيما في ما يتعلق بالانسحاب من المناطق التي تحتلها، وإصرارها على الاحتفاظ بما تسميه «حرية الحركة الأمنية».
وتبرز خطورة توقيت الإعلان عن حادثة علي الطاهر، بعد لقاء ترامب ونتنياهو وقبل انطلاق جولة روما، لأن تل أبيب تريد أن تحولها إلى فرصة لتغيير طبيعة النقاش، بحيث تنتقل من موقع الدولة التي تواجه انتقادات بسبب عمليات القصف والنسف والتوغلات اليومية، إلى موقع الطرف الذي يطالب بضمانات أمنية لحماية قواته، فيما يجد لبنان نفسه أمام محاولة لتبرير استمرار الاحتلال تحت عنوان الأمن. وفي الوقت نفسه، تسعى إلى تثبيت وقائع ميدانية جديدة. فعمليات نسف المنازل وتجريف الأراضي في المنصوري وحولا والقنطرة وكفرتبنيت وكفرشوبا لا تبدو مجرد إجراءات عسكرية مرتبطة بالميدان، بل تشكل جزءاً من سياسة تهدف إلى إحداث تغيير دائم في الشريط الحدودي.
مع ذلك، تستعد بيروت للدخول إلى مفاوضات روما حاملة مجموعة مطالب تعتبرها مترابطة، تبدأ بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتمر بتأمين عودة الأهالي وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وصولاً إلى انسحاب إسرائيلي كامل وفق جدول زمني واضح. إلا أن المؤشرات الآتية من الجانب الإسرائيلي والأميركي تكشف عن أولويات مختلفة.
وعلى المستوى الداخلي، عكس اللقاء بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري محاولة لتوحيد الموقف الرسمي قبل روما، في ظل الحاجة إلى خطاب لبناني موحد يرفض أي صيغة تمنح “إسرائيل” حق التحرك داخل الأراضي اللبنانية. إلا أن أداء السلطة لا يوحي حتى الآن باستعدادها لخوض مواجهة سياسية للدفع نحو إنهاء الاحتلال.
وعلمت «الأخبار» أن اللقاء تناول «تراجع المؤشرات على حصول انفراجات كبيرة في الملف اللبناني». ونقل مصدر قريب من عين التينة أن بري أبلغ عون أنه «لا يرى مؤشرات مشجعة على تحقيق نتائج عبر اتفاق واشنطن»، في وقت لا توحي فيه المواقف الأميركية بعد لقاء ترامب ونتنياهو بوجود ضغط جدي على “إسرائيل” للانسحاب.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو جولة روما المقبلة أبعد من مجرد اجتماع لتقييم تجربة المناطق التجريبية، إذ قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة في الجنوب. فإما أن ينجح لبنان في إعادة توجيه النقاش نحو جوهر الأزمة، المتمثل بإنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات وتأمين عودة الأهالي، وإما أن يجد نفسه أمام مسار تفاوضي يركز على ترتيبات أمنية جديدة تمنح “إسرائيل” هامشاً إضافياً للحركة داخل الأراضي اللبنانية.
يرى الباحث مازن عبد المعطي الجعبري، في ورقته العلمية الصادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، أن ما يجري في المسجد الأقصى لا يمكن فهمه باعتباره سلسلة من الإجراءات الأمنية المنفصلة التي تفرضها “إسرائيل” في أوقات التوتر، وإنما باعتباره مسارًا متراكمًا لإعادة تشكيل “الوضع القائم” في المسجد، تستخدم فيه الحرب والطوارئ لتسريع تحولات بدأت قبل الحرب، وتتقدم على مستويات أمنية ودينية وسياسية وتشريعية ومؤسسية متوازية.
ومن هنا لا تنطلق الدراسة من سؤال الانتهاك المنفرد، وإنما من سؤال أوسع يتعلق بمن يملك، عمليًا، سلطة إدارة الأقصى وتحديد وظيفته وحدود الحضور الديني داخله.
وتعد الحرب على إيران لحظة كاشفة لهذا المسار، إذ صاحب إعلان حالة الطوارئ إغلاق المسجد الأقصى وإخلاؤه من المصلين وفرض قيود واسعة في محيطه والبلدة القديمة.
وترى الدراسة أن أهمية ما حدث تتجاوز الإغلاق نفسه؛ فقد أظهر أن “إسرائيل” تتعامل مع المسجد، عندما تبلغ الأزمات الأمنية ذروتها، باعتباره جزءًا من منظومة الأمن والسيادة التي تستطيع السلطات الإسرائيلية إخضاعها لقرارها، وليس مكانًا دينيًا تحكمه ترتيبات تاريخية وقانونية تحول دون تعليق وظيفته الدينية الإسلامية.
ولهذا لا تعتبر الدراسة الحرب منشئة لهذا التحول، وإنما فرصة لتسريعه وكشف مداه. فالسياسات التي سبقتها كانت قد نقلت تدريجيًا جوانب من التعامل مع الأقصى من المجال الوقفي والديني إلى المجال الأمني والشرطي، من خلال الإبعادات، والقيود المفروضة على المصلين، والتحكم في الأبواب، والتدخل في حركة الحراس وموظفي الأوقاف والدروس والأنشطة الدينية، وتنظيم الاقتحامات. وجاءت حالة الحرب لتظهر أين استقر مركز القرار الفعلي عندما أصبح السؤال: من يستطيع إغلاق المسجد وفتحه، ومن يحدد من يدخله ومن يمنع منه؟
ومن هنا تصوغ الدراسة فكرتها المركزية:”إسرائيل” ليست في حاجة إلى إعلان إلغاء الوضع القائم، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية ودينية، وإنما تستطيع الإبقاء عليه في الخطاب الرسمي والدبلوماسي، بينما تنقل وظائفه الفعلية تدريجيًا إلى مؤسساتها. وبهذه الطريقة يمكن أن يبقى الاسم بينما يتغير المضمون، وتصبح إعادة تشكيل الأقصى نتيجة تراكم قرارات وإجراءات تبدو منفردة عند النظر إلى كل منها على حدة، لكنها تكشف اتجاهًا مختلفًا عند جمعها في مسار واحد.
زوار يهود يؤدون الصلاة عند مدخل المسجد الأقصى (رويترز)
الوصاية الأردنية.. الاعتراف باق والوظيفة تتآكل
تعود الدراسة إلى مفهوم “الوضع القائم” باعتباره مدخلًا ضروريًا لفهم هذا التحول. فجوهره أن يبقى المسجد الأقصى فضاء إسلاميًا من حيث الإدارة والوظيفة الدينية، تشرف عليه دائرة الأوقاف الإسلامية وتمارس فيه العبادة الإسلامية، بينما يسمح لغير المسلمين بالزيارة وفق ترتيبات محددة لا تنشئ حقًا تعبديًا أو سياديًا موازيًا.
ويحتل الأردن موقعًا خاصًا داخل هذا الترتيب بفعل الرعاية التاريخية للمقدسات الإسلامية في القدس والاعتراف السياسي بدوره. غير أن الدراسة تتوقف عند طبيعة الاعتراف الوارد في معاهدة وادي عربة، التي تحدثت عن احترام “إسرائيل” “الدور الأردني الخاص” في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، من دون تحديد تفصيلي للصلاحيات التنفيذية للأردن أو الأوقاف داخل المسجد، أو رسم حدود دقيقة لسلطة الشرطة الإسرائيلية في الأبواب والحركة والوصول والفتح والإغلاق.
وازداد هذا الغموض مع تفاهمات سنة 2015 التي جاءت بعد التوترات الواسعة في الأقصى وبوساطة أمريكية بين الأردن و”إسرائيل”، وأعادت تأكيد الصيغة التي تقوم على أن المسلمين يصلون في الأقصى وغير المسلمين يزورونه. وترى الدراسة أن هذه الصيغة، رغم تأكيدها اللفظي عدم تغيير الوضع القائم، أبقت زيارة غير المسلمين عمليًا تحت الإدارة الأمنية الإسرائيلية، من دون منح الأوقاف أو الوصاية الأردنية أدوات تنفيذية واضحة تحدد نطاق هذه الزيارة.
وهنا تضع الدراسة يدها على تحول بالغ الأهمية: تغير معنى “الزيارة” نفسه. فالمسألة لم تعد مجرد دخول غير المسلمين وفق ترتيبات محددة، بعدما أخذت جماعات الهيكل تدفع باتجاه توسيع أوقات الاقتحامات وإدخال النصوص الدينية وممارسة الطقوس والسعي إلى تكريس حضور تعبدي يهودي. وهكذا أصبح الغموض الذي يحيط بحدود “الزيارة” مساحة تسمح بإعادة تعريف ما يجوز فعله داخل المسجد.
وتفرق الدراسة لذلك بين مستويين للوصاية الأردنية: مستوى رسمي ودبلوماسي لا يزال قائمًا ويظهر في البيانات والاتصالات والمواقف السياسية، ومستوى تنفيذي يتعرض للتآكل. فالوصاية لا تلغى رسميًا، لكن قدرتها العملية تتراجع عندما تصبح الشرطة الإسرائيلية صاحبة القدرة على التحكم في الأبواب، وفرض الإبعاد، وتحديد الدخول والمنع، والتدخل في حركة المصلين، وإغلاق المسجد وفتحه تحت عنوان الأمن والطوارئ.
ولا يحدث هذا التحول دفعة واحدة. فالدراسة تصفه باعتباره نقلًا تدريجيًا للوظائف: إدارة الأبواب، وضبط الحضور البشري، وتنظيم الاقتحامات، والتدخل في المرافق الداخلية، ثم البحث عن أسانيد سياسية وتشريعية ومؤسسية لما نشأ من وقائع على الأرض. ولهذا تصبح الحرب مهمة ليس لأنها أوجدت تآكل الوضع القائم، وإنما لأنها أظهرت مقدار ما انتقل بالفعل من سلطة القرار.
عندما يتحول “الأمن” إلى سيادة يومية
تنظر الدراسة إلى إغلاق الأقصى خلال الحرب على إيران في هذا السياق تحديدًا. فالإغلاق، من وجهة نظرها، لا تقتصر دلالته على إجراء اتخذ في ظرف استثنائي، وإنما يتعلق بجوهر إدارة المسجد. تستطيع الأوقاف أن تظل الجهة الدينية والإدارية التاريخية، لكن الطرف الذي يملك في لحظة الطوارئ قرار تعليق وظيفة المسجد وتحديد من يستطيع الوصول إليه يصبح صاحب سلطة تنفيذية فعلية تتجاوز مجرد تأمين محيطه.
وهكذا ينتقل الأمن، وفق الدراسة، من كونه مبررًا لاتخاذ إجراء مؤقت إلى أداة لإنتاج سيادة يومية. فالشرطة الإسرائيلية لم تعد مجرد قوة موجودة خارج المسجد لمنع الاحتكاك، وإنما أصبحت فاعلًا داخل منظومة إدارته، من خلال الأبواب والإبعادات والتفتيش والحركة وتنظيم الاقتحامات والتعامل مع مظاهر العبادة.
وتشير الدراسة إلى أن هذا المسار تراكم خلال السنوات السابقة، واتسع في سياق حرب غزة والتصعيد الإقليمي، حيث اقترن الحضور الأمني المتزايد بمحاولات الحد من الوجود الإسلامي في الأقصى ومنع المسجد من أداء دوره السياسي والرمزي في التعبير عن التضامن مع غزة.
وترى أن “إسرائيل” تختبر خلال جولات التصعيد مقدار ما يمكن فرضه من دون الوصول إلى انفجار واسع. ومن ثم فإن الإغلاق الكامل، وتقييد الدخول، والتحكم في الأبواب، والتدخل في حركة المصلين، ليست أحداثًا مستقلة؛ فالاستثناء الذي يتكرر يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى أسلوب إدارة، والسابق المؤقت يمكن استدعاؤه مرة أخرى في أزمة لاحقة، إلى أن يصبح ما كان استثنائيًا أمرًا شبه اعتيادي.
وهنا تكمن، بحسب الدراسة، إحدى أهم وظائف الحرب والطوارئ: إنها تمنح السلطات الإسرائيلية ظرفًا يسمح بتجريب إجراءات يصعب تمريرها في الأوضاع العادية، ثم تضيق تدريجيًا المسافة بين “الإجراء الأمني المؤقت” و”الحق السيادي الدائم”. وبالتالي فإن القضية ليست عدد الأيام التي أغلق فيها المسجد فقط، وإنما السابقة التي ينشئها الإغلاق وإمكان استدعائها مستقبلًا باعتبارها ممارسة سبق تنفيذها.
من “الزيارة” إلى العبادة
لكن إعادة تشكيل الوضع القائم لا تتوقف عند سلطة فتح المسجد وإغلاقه. وتمنح الدراسة مساحة واسعة للتحول الجاري في طبيعة الحضور الديني نفسه، من خلال مسارين يسيران في اتجاهين متعاكسين: تقييد الحضور الإسلامي، وتوسيع الحضور اليهودي المنظم.
ففي الجانب الأول ترصد الدراسة ملاحقة المرابطين، وإبعاد المصلين، وتقييد حركة الحراس وموظفي الأوقاف، والتدخل في الدروس والخطب والأنشطة الدينية. وهي لا تقرأ هذه الإجراءات باعتبارها مجرد تدابير لضبط الأمن، وإنما ترى فيها إضعافًا للوجود البشري الإسلامي الذي يحافظ عمليًا ورمزيًا على الوظيفة الإسلامية للمكان.
وفي الاتجاه الآخر، شهدت الاقتحامات اليهودية تغيرًا في طبيعتها. فلم تعد المسألة مقتصرة على دخول مجموعات إلى ساحات المسجد تحت حماية الشرطة، بل ظهرت ممارسات تعبدية أكثر وضوحًا وتنظيمًا، تشير الدراسة منها إلى السجود والانبطاح والغناء والرقص الجماعي وحمل النصوص والصلوات المطبوعة. ومن هنا ينتقل الاقتحام تدريجيًا من مفهوم “الزيارة” الذي قام عليه الوضع القائم إلى مفهوم “العبادة”.
وتتوقف الدراسة خصوصًا أمام قرار الشرطة السماح لليهود الصاعدين إلى المسجد بحمل أوراق صلاة مطبوعة، وكذلك تمديد ساعات الزيارة خلال شهر رمضان. فالتحول هنا لا يكمن في الورقة أو الدقائق الإضافية في ذاتها، وإنما في أن الشرطة تنتقل من مجرد التغاضي عن بعض الممارسات إلى تنظيمها وتسهيلها. وحمل نصوص الصلاة يعني عمليًا قبول إمكان ممارستها، بينما يعني تمديد الساعات أن الزمن المخصص للحضور اليهودي أصبح هو الآخر قابلًا للتوسع.
وترى الدراسة أن جماعات الهيكل تنظر إلى الاقتحامات بهذه الطريقة التراكمية؛ فهي ليست الغاية النهائية، وإنما وسيلة لإعادة تعريف العلاقة اليهودية بالمكان. ولذلك تتجاوز مطالب هذه الجماعات زيادة أعداد المقتحمين إلى توسيع الأوقات وإضافة فترات جديدة وإدخال الأدوات الدينية وتثبيت الصلاة العلنية، وربط ذلك كله بمفهوم السيادة الإسرائيلية على القدس والأقصى.
وبذلك يصبح الصراع على الأقصى صراعًا على الزمن والحضور والوظيفة، لا على الدخول وحده. فكل انتقال من زيارة إلى صلاة، ومن ممارسة فردية إلى طقس جماعي معلن، ومن وقت محدود إلى ساعات أطول، ينتج واقعًا جديدًا يمكن البناء عليه في الخطوة التالية.
المصلون يغادرون بعد أداء صلاة الجمعة أمام مدخل المسجد الأقصى عند باب الأسباط في البلدة القديمة (غيتي)
اقتحام الجمعة.. عندما ينتقل المشروع إلى داخل الحكومة
تظهر هذه النقلة بصورة أكثر وضوحًا في مسيرة الأعلام ومحاولة فتح المسجد للاقتحامات يوم الجمعة. فالدراسة ترى مسيرة الأعلام أداة لإنتاج خطاب السيادة الإسرائيلية في القدس، وليست مجرد احتفال قومي سنوي. وربطها بالأقصى يجعل المناسبة القومية وسيلة لاختبار حدود الوضع القائم ومحاولة توسيعها.
وتكتسب محاولة الاقتحام يوم الجمعة أهمية أكبر؛ لأن هذا اليوم ظل مرتبطًا بكثافة الحضور الإسلامي وصلاة الجمعة، ولم يكن الأقصى يفتح فيه عادة للاقتحامات. ومن ثم فإن كسر هذا الحاجز لا يعني إضافة يوم جديد إلى جدول الزيارات فقط، بل تغيير توزيع الزمن الديني نفسه داخل المسجد.
وتستند الدراسة هنا إلى عريضة وقعها 22 سياسيًا إسرائيليًا، بينهم وزراء بارزون، للمطالبة بفتح المسجد أمام اقتحامات المستوطنين يوم الجمعة 15 مايو/أيار 2026، بالتزامن مع الذكرى العبرية لاحتلال القدس. وتعد هذه العريضة مؤشرًا مهمًا؛ لأن المطالبة لم تعد صادرة فقط عن جماعات الهيكل، وإنما انتقلت إلى سياسيين ووزراء وأعضاء كنيست من الليكود والصهيونية الدينية.
والأكثر دلالة أن المطالبة ربطت فتح الأقصى بما يعبر عن “سيادة “إسرائيل” على القدس”. وهنا، وفق الدراسة، تسقط المسافة بين الفعل الديني والفعل السياسي؛ فالاقتحام يصبح إعلانًا عن السيادة، وإعادة ترتيب زمن المسجد تصبح أداة سياسية لإثبات القدرة على تغيير قواعده.
كما تكشف هذه التطورات عن تنافس داخل اليمين الإسرائيلي نفسه. فبعد ارتباط الدفع لتغيير قواعد الأقصى بإيتمار بن غفير وجماعات الهيكل، تشير الدراسة إلى دخول قوى أوسع من الليكود والحكومة إلى هذا المجال، بما يعني أن الملف ينتقل من مطلب أيديولوجي تضغط به جماعات خارج مركز القرار إلى جزء من التنافس السياسي داخل المؤسسة الحاكمة.
من الوقائع الميدانية إلى القانون
لا تتوقف الدراسة عند الأمن والاقتحامات، وإنما ترى أن المرحلة الأكثر خطورة تبدأ عندما تسعى “إسرائيل” إلى منح التحولات الميدانية غطاء قانونيًا ومؤسسيًا يجعلها أكثر ثباتًا.
وفي هذا السياق تتناول مشروع تعديل “قانون الأماكن المقدسة”، الذي تشير إلى الموافقة عليه بالقراءة الأولى في الكنيست في 25 فبراير/شباط 2026. وتربط أهمية المشروع بإمكان توسيع دور الحاخامية الرسمية الإسرائيلية في تحديد مفهوم “التدنيس” في الأماكن التي تعد مقدسة يهوديًا.
وتنبع المشكلة، وفق الدراسة، من أن القانون الأصلي لا يقدم تحديدًا حاسمًا للأماكن المقدسة ولا للجهة التي تملك سلطة تعريفها ولا للمرجعية النهائية في تحديد معنى التدنيس، وهو ما يفتح مجالًا لأن يمتد تأثير التعديل مستقبلًا إلى فضاءات متنازع عليها، ومن بينها المسجد الأقصى، حتى إذا لم يذكر صراحة عند تمرير التشريع.
وتلفت الدراسة إلى أن المدخل يبدو في ظاهره بعيدًا عن الأقصى، لأن جزءًا من النقاش يتعلق بالصلاة اليهودية عند حائط البراق والخلافات بين التيارات اليهودية بشأنها، لكن إنشاء مرجعية دينية رسمية تمتلك سلطة أوسع في تعريف “المقدس” و”التدنيس” يمكن أن ينتج أداة قانونية قابلة للتوسع إلى مناطق أخرى.
كما تربط الدراسة هذا المسار بما يجري في ساحة البراق، وبمحاولات التدخل في مرافق داخل الأقصى، ومنها دار الحديث قرب باب الرحمة ورفض إعادة تركيب قفل جديد لها بعد كسره. وهي ترى أن جمع هذه الإجراءات مع تمديد ساعات الاقتحام وتوسيع الطقوس ومحاولات تعديل التشريع يكشف بناءً متعدد الأدوات: السيطرة على الزمن، والمداخل، والمرافق، ثم منح هذه السيطرة سندًا قانونيًا ومؤسسيًا.
ولا يقف الأمر عند حدود المسجد. ففي مايو/أيار 2026، تشير الدراسة إلى إقرار الحكومة الإسرائيلية تشكيل لجنة حكومية مشتركة لدراسة ملفات عقارية في البلدة القديمة، مع اهتمام خاص بطريق باب السلسلة المؤدي إلى الأقصى، استنادًا إلى أوامر مصادرة قديمة ترجع إلى أواخر ستينيات القرن الماضي ولم ينفذ بعضها بسبب استمرار وجود العائلات والتجار والمؤسسات في العقارات ورفض الإخلاء أو التعويض.
وتقرأ الدراسة إعادة فتح الملف بعد نحو ستة عقود باعتبارها توسيعًا لمجال السيطرة: من إدارة المسجد والزمن الديني داخله إلى إعادة تشكيل الحيز العمراني المحيط به، بما يشمل الطرق والأسواق والمداخل والسكان. ومن ثم يصبح تفريغ الوضع القائم عملية مكانية أيضًا، وليس دينية وإدارية فقط.
وهكذا تتجمع أمام الدراسة حلقات المسار: إجراء أمني يمكن تقديمه باعتباره استثناء، واقتحام يبدأ كزيارة، وطقس يسمح به تدريجيًا، وقرار إداري يوسع الزمن أو التدخل، ثم تشريع أو مؤسسة تمنح ما تحقق على الأرض أساسًا أكثر رسوخًا. والمحصلة ليست إعلانًا واحدًا يقول إن الوضع القائم انتهى، وإنما تحويله بالتدريج إلى إطار يحمل الاسم القديم ويعمل بقواعد جديدة.
الشيخ عزام الخطيب، مدير الأوقاف الإسلامية في القدس (الثالث من اليسار)، بجوار الشيخ عمر الكسواني (الرابع من اليسار)، مدير المسجد الأقصى، أثناء سيرهما في ساحة قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى (الفرنسية)
الوصاية باقية في الخطاب
تصل الدراسة، بعد تتبع التحولات الأمنية والدينية والتشريعية، إلى أن الوصاية الأردنية ودائرة الأوقاف لا تواجهان في المرحلة الراهنة قرارًا إسرائيليًا معلنًا بالإلغاء، وإنما مسارًا أكثر تعقيدًا يقوم على الإبقاء على المؤسسة وتقليص الوظيفة. فإلغاء الوصاية رسميًا قد يرتب على “إسرائيل” كلفة سياسية ودينية كبيرة، ويفتح مواجهة مباشرة مع الأردن والفلسطينيين، بينما يسمح بقاؤها من الناحية الشكلية باستمرار الإطار الدبلوماسي المعروف، في الوقت الذي تنتقل فيه أدوات الإدارة والقرار تدريجيًا إلى الشرطة والمؤسسات الإسرائيلية.
وتظهر الفجوة بين الشكل والوظيفة في التفاصيل اليومية لإدارة المسجد. فالأوقاف تظل موجودة، ويظل الأردن صاحب “الدور الخاص” المعترف به سياسيًا، لكن قيمة هذا الدور تتراجع كلما أصبحت القرارات الحاسمة في يد جهة أخرى: من يفتح الأبواب، ومن يغلقها، ومن يسمح له بالدخول، ومن يمنع أو يبعد، وكيف يجري التفتيش، ومتى تبدأ الاقتحامات وتنتهي، وما الذي يسمح للمقتحمين بممارسته داخل المسجد.
ولا يقتصر التآكل على الأبواب والوصول؛ إذ ترصد الدراسة استهداف الحراس وموظفي الأوقاف، والتدخل في الدروس والخطب والأنشطة الدينية، ومحاولات تقليص قدرة الأوقاف على حماية النظام الداخلي للمسجد. وبذلك تبقى الأوقاف عنوانًا إداريًا قائمًا، لكنها تجد نفسها مقيدة عند نقاط الاحتكاك الحقيقية مع القرار الأمني الإسرائيلي.
ويصبح هذا التراجع أكثر خطورة لأنه يحدث في الاتجاه المعاكس تمامًا لتطور وضع جماعات الهيكل. ففي الوقت الذي تضيق فيه قدرة الأوقاف على التحكم في تفاصيل المكان، تتسع الاقتحامات والطقوس اليهودية، وتزداد قدرة الشرطة على تحديد ما يسمح به داخل المسجد. أي إن المسألة ليست مجرد خسارة طرف بعض صلاحياته، وإنما إعادة توزيع للصلاحيات والحضور: تراجع في قدرة المؤسسة التي يفترض أن تدير المسجد، يقابله توسع في سلطة الشرطة وفي المجال المتاح للمقتحمين.
ومن هنا ترى الدراسة أن الإبقاء على الوصاية بصورتها الحالية قد يكون، في هذه المرحلة، أكثر فائدة لـ “إسرائيل” من إلغائها؛ فهو يجنبها كلفة إعلان تغيير جذري في وضع المسجد، بينما يسمح لها بتحقيق جانب مهم من هذا التغيير عمليًا. فالوصاية تظل حاضرة في الاتصالات والبيانات والمواقف الدبلوماسية، لكن معيار قوتها الحقيقي يصبح مقدار ما تستطيع تنفيذه داخل المسجد، لا مقدار الاعتراف السياسي بها خارجه.
وهذا يعيد الدراسة إلى فكرتها الأساسية: ليس ضروريا أن يختفي الوضع القائم قانونيًا أو سياسيًا حتى يفقد مضمونه. وقد يكون الإبقاء على بنيته الاسمية جزءًا من الطريقة التي يجري بها تغييره، لأن بقاء الاسم يقلل كلفة التحول بينما تتغير الوظائف التي كان الاسم يعبر عنها.
إلى أين يتجه الأقصى؟
لا تتوقع الدراسة أن يسير التحول عبر قرار واحد يحسم مستقبل المسجد، بل ترجح استمرار الطريقة نفسها التي اتبعت حتى الآن: خطوات صغيرة ومتراكمة، تتداخل فيها الإجراءات الأمنية مع الاقتحامات الدينية والغطاء السياسي والتحركات التشريعية والمؤسسية.
والسيناريو الأكثر ترجيحًا لديها هو استمرار التآكل التدريجي للوضع القائم. ف”إسرائيل” تستطيع، وفق هذا المسار، تحقيق مكاسب متتابعة من دون تحمل الكلفة التي قد تترتب على إعلان تقسيم المسجد أو إلغاء الوصاية الأردنية أو تغيير وضعه بصورة رسمية. ويصبح كل إجراء جديد امتدادًا لما سبقه، ثم يتحول مع التكرار إلى واقع يمكن الانطلاق منه نحو الخطوة التالية.
وتكمن قوة هذا المسار في أنه لا يقدم لحظة واحدة يسهل تحديدها باعتبارها لحظة الانقلاب على الوضع القائم. فقد يكون التغيير تمديدًا لوقت الاقتحام، أو السماح بطقس كان ممنوعًا، أو قرارًا شرطيًا جديدًا، أو تقييدًا إضافيًا لصلاحيات الأوقاف، أو توسيعًا لمفهوم الأمن. وكل إجراء بمفرده يمكن تقديمه باعتباره محدودًا، لكن جمع الإجراءات يكشف تغيرًا في بنية إدارة المكان.
ولهذا ترى الدراسة أن التآكل التدريجي أكثر احتمالًا من الانتقال الفوري إلى تغيير رسمي شامل؛ فهو يتيح توسيع السيطرة مع اختبار ردود الفعل الفلسطينية والأردنية والعربية والدولية في كل مرحلة.
لكن الدراسة لا تستبعد قفزة تصعيدية تقطع هذا التدرج في لحظة معينة. وقد تأتي هذه القفزة مرتبطة بمناسبة قومية إسرائيلية مثل مسيرة الأعلام، أو بمحاولة فتح المسجد للاقتحامات يوم الجمعة، أو بتشريع يمنح الحاخامية أو مؤسسة إسرائيلية رسمية صلاحيات أوسع في تحديد مفاهيم “المقدس” و”التدنيس”، أو بحدث أمني كبير تستخدمه “إسرائيل” مبررًا لاتخاذ إجراءات لم يكن من الممكن فرضها في الظروف العادية.
وتنبه الدراسة هنا إلى أن خطورة القفزة التصعيدية لا تتوقف على استمرارها. فإذا فتح الأقصى مثلًا أمام الاقتحامات يوم الجمعة ثم توقف ذلك لاحقًا، فقد تكون السابقة نفسها قد أصبحت جزءًا من الخيارات المتاحة لـ “إسرائيل”. وينطبق الأمر على إدخال أدوات دينية جديدة أو إضافة فترة اقتحام مسائية أو غير ذلك من التغييرات؛ فالتراجع عن الإجراء لا يمحو حقيقة أنه نفذ مرة وأصبح قابلًا للاستدعاء.
ومن ثم فإن “المؤقت” يحتفظ بأثره حتى بعد انتهائه، لأنه يوسع حدود الممكن. وهذه الفكرة نفسها التي استخدمتها الدراسة في تفسير إجراءات الحرب والطوارئ: ما يفرض في لحظة استثنائية قد يصبح سابقة تستخدم في لحظة لاحقة، ثم يتكرر إلى أن يفقد صفته الاستثنائية.
ولهذا لا ترى الدراسة تناقضًا بين سيناريو التآكل التدريجي واحتمال القفزات التصعيدية. فالأقرب، في تقديرها، أن يستمر التدرج بوصفه المسار العام، وتتخلله قفزات في اللحظات التي تتيح فيها الظروف الأمنية أو السياسية أو الدينية دفع الحدود خطوة أكبر إلى الأمام. وهي تخلص صراحة إلى أن السيناريو الأرجح في المدى القريب هو استمرار التآكل التدريجي، مع احتمال هذه القفزات في مسيرة الأعلام والأعياد اليهودية والأزمات الأمنية والتطورات التشريعية.
كيف نعرف أن الوضع القائم يتغير؟
لهذا السبب لا تدعو الدراسة إلى انتظار إعلان سياسي إسرائيلي بشأن مستقبل الأقصى، وإنما إلى مراقبة مجموعة من المؤشرات التي تكشف التغيير قبل أن يتحول إلى واقع مكتمل.
فالاقتحامات لا ينبغي قياسها بالعدد وحده، وإنما بنوعها وتوقيتها وما يحدث خلالها. هل تتسع الساعات المخصصة لها؟ هل تضاف فترات جديدة؟ هل يجري الاقتراب من يوم الجمعة؟ هل تتحول الصلاة الفردية إلى طقوس جماعية؟ هل يسمح بإدخال النصوص والأدوات الدينية؟ وهل تنتقل بعض الممارسات من التغاضي الشرطي إلى السماح والتنظيم؟
ويأتي الحضور الإسلامي في الجهة المقابلة من المعادلة. فزيادة الإبعادات، وتقييد الدخول، وربط الوصول بالعمر أو الهوية أو الظرف الأمني، والتدخل في الدروس والخطب، والتضييق على الحراس والمرابطين وموظفي الأوقاف، كلها مؤشرات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها وقائع أمنية منفصلة، وإنما قياس أثرها التراكمي في توازن الحضور داخل المسجد.
كما تضع الدراسة القرارات الشرطية في موقع مركزي في عملية الرصد؛ لأن جانبًا كبيرًا من التغيير لا يحتاج إلى قانون جديد. فالشرطة تستطيع، من خلال تنظيم الأبواب والأوقات والحركة والإبعاد والتفتيش، أن تحدث تغيرات فعلية في إدارة المكان قبل وصول المسألة إلى التشريع.
لكن التشريع يظل مؤشرًا بالغ الأهمية، خصوصًا عندما يتحرك في اتجاه منح المؤسسات الدينية أو السياسية الإسرائيلية صلاحيات تتصل بتعريف المكان المقدس أو تنظيمه. ولذلك يصبح من الضروري، وفق منطق الدراسة، متابعة مشروعات القوانين لا باعتبارها ملفات قانونية منفصلة، وإنما باعتبارها احتمالًا لتحويل ما يجري ميدانيًا إلى بنية أكثر ثباتًا.
وينطبق ذلك على وضع الأوقاف نفسها: هل تستطيع اتخاذ قراراتها داخل المسجد؟ ما مقدار سلطتها على الحراس والمرافق؟ هل تستطيع تنفيذ أعمال الصيانة؟ وما الذي يحدث عندما تتعارض قراراتها مع قرار الشرطة؟ فهذه التفاصيل تكشف مقدار ما تبقى من الوظيفة التنفيذية للوصاية بصورة أدق من البيانات السياسية التي تؤكد استمرارها.
ولهذا تقترح الدراسة بناء آلية رصد فلسطينية وعربية دورية لا تجمع أعداد المقتحمين فقط، وإنما تتابع الاقتحامات والطقوس والإبعادات والقرارات الشرطية والتشريعات ووضع الأوقاف والتغيرات التي تطرأ على المرافق الداخلية للمسجد.
فالمؤشرات، إذا جمعت في مسار زمني، تسمح بالإجابة عن السؤال الذي تعتبره الدراسة حاسمًا للمرحلة المقبلة: هل تواصل “إسرائيل” سياسة التدرج، أم أن التراكم وصل إلى مرحلة الانتقال إلى خطوات نوعية أوسع لإعادة تشكيل الوضع القائم؟
الخطر ليس في الاقتحام وحده
تنتهي الدراسة إلى أن النظر إلى كل اقتحام أو إغلاق أو إبعاد باعتباره واقعة قائمة بذاتها يحجب طبيعة التحول الجاري. فما يحدث، وفق خلاصتها، هو مسار لإعادة تشكيل الوضع القائم من الداخل؛ فلا تعلن “إسرائيل” إلغاء الترتيبات التاريخية، وإنما تفرغها تدريجيًا من محتواها العملي عبر السيطرة على قرار الفتح والإغلاق، وتنظيم الوصول، وتقييد الحضور الإسلامي، وتوسيع الطقوس اليهودية، وتقليص الدور التنفيذي للأوقاف، ثم إسناد هذه التحولات سياسيًا وتشريعيًا ومؤسسيًا.
وتصبح الحرب والطوارئ في هذا السياق عامل تسريع، لا نقطة بداية. فالإغلاق خلال الحرب يكشف بصورة مكثفة أين توجد سلطة القرار عند لحظة الحسم، لكنه يأتي فوق مسار سبق أن راكم أدوات السيطرة الأمنية والشرطية.
كما ترى الدراسة أن انتقال مطالب جماعات الهيكل إلى داخل المؤسسة السياسية يمثل تحولًا نوعيًا آخر؛ لأن القضية لم تعد ضغطًا تمارسه جماعات دينية على الحكومة من الخارج. وعندما يتبنى وزراء وسياسيون توسيع الاقتحامات ويربطونها بالسيادة الإسرائيلية، يصبح التغيير في الأقصى جزءًا من مشروع سياسي يجد ممثلين له داخل مركز القرار.
وفي الوقت نفسه تواجه الوصاية الأردنية والأوقاف تراجعًا في القدرة التنفيذية رغم استمرار حضورهما الرمزي والدبلوماسي. فالوصاية لا تحتاج إلى قرار بإلغائها لكي تضعف؛ يكفي أن تنتقل الوظائف التي تمنحها معناها العملي إلى الشرطة الإسرائيلية، ولا سيما في الأبواب والإبعادات والتفتيش وتنظيم الدخول والتعامل مع الحراس والمرافق وقرار الفتح والإغلاق.
ومن هنا ترفض الدراسة التعامل مع الأقصى باعتباره ملفًا دينيًا موسميًا يستدعى عند وقوع اقتحام كبير أو في شهر رمضان أو عند اندلاع مواجهة. وتدعو إلى التعامل معه باعتباره ملفًا سياسيًا واستراتيجيًا دائمًا، لأن التغيير نفسه دائم ومتدرج، ويمكن أن يستمر في الفترات التي يبدو فيها المسجد بعيدًا عن صدارة الأخبار.
وتدعو كذلك إلى تطوير خطاب فلسطيني وعربي يقوم على مفهوم “إفراغ الوضع الراهن من مضمونه”؛ لأن التركيز على كل انتهاك بمفرده لا يكشف الاتجاه العام ما لم يوضع ضمن العلاقة التي تجمع الأمن والطقوس والتشريع والوصاية والسيادة.
وتخص الدراسة الدور الأردني بتوصية واضحة تتجاوز الاحتجاج الدبلوماسي إلى تفعيل الصلاحيات التنفيذية، بالتوازي مع الرصد الفلسطيني والعربي المنتظم للتحولات التي تطرأ على المسجد. فالوصاية، وفق منطق الدراسة، لا تقاس باستمرار الاعتراف الإسرائيلي أو الدولي بها فقط، وإنما بقدرتها الفعلية على أداء الوظائف التي يفترض أن تتولاها.
وتنتهي الورقة إلى أن مواجهة المسار لا تكون بالتصدي لكل اقتحام باعتباره حادثة منفصلة، وإنما بفهم طبيعة المشروع الذي يجمع هذه الحوادث. فالسيناريو الأكثر ترجيحًا ليس قرارًا إسرائيليًا غدًا بإعلان نهاية الوضع القائم، بل استمرار تفريغه خطوة بعد أخرى، مع قفزات أكبر كلما أتيحت فرصة أمنية أو سياسية أو تشريعية.
وفي المحصلة يصبح الصراع على الأقصى، كما تقدمه الدراسة، صراعًا على من يدير المكان، ومن يحدد زمنه، ومن يملك حق الحضور والعبادة فيه، ومن يضع قواعده، ومن يمتلك في لحظة الحسم القرار السيادي بشأنه.
ثمة خلل ما في الضفة الغربية. الطريقة التي يستخدمها رعاة الأغنام اليهود للاستيلاء على قطعة أرض، حيث يجلبون معهم بعض الأغنام والماعز ثم يذهبون للرعي في الأراضي الفلسطينية ويقتحمون البيوت ويقتلعون الأشجار، وفي الطريق يحرقون مسجداً وبيتاً أو بيتين ويعتدون على مُسنّ فلسطيني ويطلقون النار على طفل أو ثلاثة أطفال، هذه الطريقة لم تثبت جدواها.
حسب منظمة “بتسيلم”، تمكن المشاغبون اليهود منذ العام 2023 وحتى نهاية حزيران الماضي، من طرد 64 تجمعاً فلسطينياً كان يعيش فيها 4328 شخصاً. هذا لا شيء.
أما في قطاع غزة فقد تم طرد حوالي 2 مليون شخص من بيوتهم عدة مرات، وقتل أكثر من 73 ألف شخص، معظمهم من المدنيين الأبرياء، في سنتين ونصف. وفي لبنان، تم طرد أكثر من ربع مليون شخص في غضون أشهر، وقتل حوالي 4300 شخص منذ بداية آذار. لو لم يتدخل ترامب وسمح لوزير الدفاع يسرائيل كاتس بتنفيذ وعده بتحويل لبنان إلى غزة وتحديد معدل القتل في قطاع غزة كمعيار للنجاح، لتجاوز عدد القتلى في لبنان الـ 24 ألف شخص. وفي الضفة الغربية بالتحديد، حيث تعمل الشبكة الإجرامية الاستيطانية العسكرية دون انقطاع، بعيداً عن ترامب، ودون ظل المجتمع الدولي البغيض، وبتشجيع وتمويل كامل من الحكومة الإسرائيلية، هناك بالتحديد ستتفاقم الأمور. هذه ليست الطريقة الأفضل لنقل اللاجئ، وهذه ليست الطريقة الأفضل لتجنب اندلاع انتفاضة.
الوقت ينفد. لم يبق على موعد الانتخابات إلا ثلاثة أشهر، وغيوم الهزيمة القاتمة تخيم على حكومة الدمار، وتتلاشى الآن خيارات شن حرب استعراضية تؤجل الانتخابات، أو على الأقل تجند الجمهور حول الزعيم الأعلى. لم يعد بإمكان القائد العسكري الإسبرطي الاعتماد على ترامب لفتح “باب الجحيم” على إيران. قد يحاول ترامب تسويق استئناف مشروعها النووي، أو ما يعرف بـ “جبل الفأس” أو ربما كهف المجرفة، كتهديد يستدعي استئناف الحرب. ولكن ربما لا يجد أحداً يصدق هذه الوعود، بعد أن اتضح أن وعد إسقاط النظام في إيران بسرعة، لا يساوي أي شيء.
في لبنان يحاول ترامب نسج نسيج دقيق، الرئيس جوزيف عون جزء منه، والرئيس السوري أحمد الشرع شريك صامت فيه، في حين يلعب نتنياهو دور العبوة الجانبية التي تطمح لتفجير الاتفاق. لا يبدو الأمل في إشعال الفتنة بقطاع غزة واستكمال احتلاله لفتح قناة التهجير أملاً واعداً، لا سيما بعد إجبار حماس على السماح لمجلس السلام بدخول القطاع مقابل دعوة إلى البيت الأبيض. ويبدو أن ترامب يدرك أن مثل هذه الدعوة قد تجعله يحصل على مكاسب سياسية كبيرة من نتنياهو.
لحسن الحظ، ما زالت الضفة الغربية قائمة. مع ذلك، نظراً للإنجازات الهزيلة لمن خلفوا الدمار، يبدو أنه لا يمكن الوثوق برعاة الأغنام التوراتيين لإشعال الانتفاضة المأمولة. فكان على الجيش الإسرائيلي الخبير والمدرب أن يتولى بنفسه زمام الأمور. أمس، أصدر الوزير الأمر، وانطلق الجيش الإسرائيلي لاقتحام مخيم آخر للاجئين وطرد سكانه بعد اقتحامه مدناً وقرى فلسطينية بهدف “تدمير البنى التحتية الإرهابية”. منذ بداية العام 2025 سيطر الجيش الإسرائيلي على مخيمات طولكرم وجنين ونور شمس، وتم تهجير حوالي 40 ألف شخص منها. كم هو عدد السكان الذين سيتم تهجيرهم الآن؟ ما عدد السكان الذين يجب تهجيرهم لإشعال الانتفاضة؟ الإجابة: بقدر ما يلزم. هذه هي جبهة الأمل الأخيرة ولا مجال للاستسلام.
إذا تصرفت الحكومة والجيش الإسرائيلي بشكل صحيح، فليست الضفة الغربية وحدها التي ستشتعل، بل سينتفض العرب في “إسرائيل”، وسيغلقون شارع وادي عارة، ويحرقون الحقول في الجليل، والمطاعم في عكا وحيفا ويافا. هذا إنجاز عظيم، حرب شاملة تبرر تأجيل الانتخابات وإبعاد الأحزاب العربية عن الساحة السياسية. ما الذي ينتظرونه هنا؟
وسط الركام الذي خلفته الحرب في قطاع غزة، اختارت نساء فلسطينيات أن يحولن الألم إلى أمل، والخسارة إلى بداية جديدة.
فمن بين مدارس ترمم رغم المرض، وعدسات تواصل توثيق ابتسامات الأطفال رغم الفقد، ومشاغل صغيرة تحفظ التراث وتمنح النساء مصدر رزق، تتشكل مبادرات ذات طابع إنساني واجتماعي تؤكد أن الصمود لا يكون بالسلاح وحده، بل أيضا بالإصرار على حماية الإنسان، والتعليم، والهوية، في مواجهة واقع يسعى إلى سلب الفلسطينيين تفاصيل حياتهم.
ويشير تقرير مراسلة الجزيرة من غزة نور خالد إلى مواصلة أمل أبو عاصي ترميم مدرستها “غرس” في مدينة غزة، رغم إصابتها بمرض السرطان، وإيمانها بأن التعليم هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأطفال الذين حرمتهم الحرب من أبسط حقوقهم.
وتقول أبو عاصي إن رسالتها تتجاوز إدارة مدرسة، موضحة “لدينا هنا في غرس يقين مطلق، لأننا لا ندير مدرسة، وإنما نحن نفاوض المستقبل على صورة الإنسان الذي نريد. هذا الوطن يستحق منا أن نبذل الغالي والنفيس من أجله، وإن هؤلاء الأطفال يليق بهم مستقبل أكبر وأجمل وأوسع مما عشناه”.
وفي مكان آخر من المدينة، تخوض نهروان برزق معركتها الخاصة مع الفقد، بعدما استشهد زوجها وشريكها في مشروع التصوير الفوتوغرافي، لتجد نفسها أمام مسؤولية استكمال الحلم الذي بدأه الاثنان معا.
وتقول نهروان إنها مضطرة إلى مواصلة الطريق الذي انطلقا فيه من الصفر، مضيفة أن مشروعهما أصبح اليوم “وجه غزة الحلو”، في محاولة لتوثيق لحظات الأطفال ومنحهم صورا تعكس وجها مختلفا عن قسوة الحرب.
ولا تقتصر هذه المبادرات على التعليم أو التصوير، إذ تعمل مشاريع نسائية أخرى على تمكين النساء اقتصاديا واجتماعيا، رغم التحديات اليومية التي فرضتها الحرب.
وتصف إحدى القائمات على هذه المشاريع التحول الذي فرضه الواقع بالقول “قبل الحرب كانت الحياة مفتوحة معنا، ونستطيع أن نعمل أي شيء يخطر على بالنا، لكن في ظل ظروف الحرب أصبحنا نحفر في الصخر”.
وتوضح سيدات يعملن في هذه المبادرات أن الهدف لم يعد تحقيق الربح فقط، بل مساعدة النساء على إطلاق مشاريعهن الخاصة في تصميم الأزياء والخياطة والمطرزات، بما يحافظ على التراث الفلسطيني ويعزز الهوية الوطنية من خلال الملابس والتطريزات التي تحمل رموزها الثقافية.
وتعكس هذه المشاريع، بحسب القائمات عليها، إيمانا بأن الحفاظ على الهوية وتمكين المرأة جزء من معركة البقاء، وأن أدوات بسيطة كالإبرة والخيط يمكن أن تتحول إلى وسيلة لحماية الذاكرة الجماعية وخلق فرص جديدة للحياة.
وفي غزة، حيث تتآكل الأدوات وتضيق الخيارات، تبدو هذه المبادرات أكثر من مجرد أعمال أو مصادر دخل؛ فهي رسائل إنسانية تؤكد أن الإصرار على التعليم، وتمكين النساء، ورسم الابتسامة على وجوه الأطفال، هو شكل آخر من أشكال الصمود، وإثبات أن الحياة قادرة على أن تجد طريقها حتى في أكثر الأماكن قسوة.