by الناشر | 31 July 2026 | إقليمي ودولي
غزة- تتلاشى ملامح الاستقرار المؤقت في غضون دقائق، لتفرض أوامر الإخلاء الإسرائيلية وقذائف المدفعية واقعا قاسيا يدفع مئات العائلات نحو شوارع غزة المظلمة، تبدأ رحلة تيه جديدة، يحمل خلالها الآباء أطفالهم ومرضاهم، ويقطعون طرقات وعرة تتشابك فيها العتمة مع أزيز الطائرات المسيّرة والتدافع البشري نحو المجهول.
اضطر عبد الرحمن رمضان، وهو أب لستة أطفال، إلى مغادرة مخيم الزهور للنازحين بمدينة غزة على عجل ليلة 29 يوليو/تموز 2026 وسط الفوضى، ركض أحد أبنائه فوق الأرض غير المستوية حاملا شقيقه الأصغر على ظهره، فيما اندفعت الأسرة مع حشود النازحين بعيدا عن الموقع. انتهت الرحلة بزوجته وأطفاله الستة فوق رمال الشارع، حيث أمضوا بقية الليل في العراء.
في صباح اليوم التالي، عاد عبد الرحمن إلى موضع خيمته بحثا عن ملابس وأغطية وبعض الحاجات التي تعين أطفاله على المبيت في الشارع، ترك أسرته على الطريق، وتوجه إلى المكان الذي جمع فيه مقتنياته خلال أشهر من النزوح، فوجد آثار الاستهداف وقد ابتلعت الخيمة والفرش وما تبقى من الطعام، فعاد إلى أسرته بيدين خاليتين، ثم بدأ رحلة أخرى بحثا عن أسرة تستضيفهم، أو أي مساحة تمنح أطفاله مكانا ينامون فيه لليلة أخرى.
وبينما كان عبد الرحمن يتنقل بين الطرقات بحثا عن مأوى، تصاعدت الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة مع جولة جديدة من المحادثات في القاهرة، حيث يبحث قادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع وسطاء من مصر وقطر وتركيا آليات تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الخاصة بغزة، في إطار الجهود الرامية إلى استكمال مسار إنهاء الحرب.
ووفق إفادة وزارة الصحة، استقبلت مستشفيات القطاع خلال الساعات الممتدة من ليلة 29 يوليو/تموز وحتى اليوم التالي جثامين 6 شهداء، إلى جانب 34 إصابة.
ورفعت هذه الحصيلة عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول إلى 1214 شهيدا، فيما بلغ عدد الإصابات 3977، ووصل عدد الجثامين المنتشلة إلى 804.
تواصلت الجزيرة نت مع عبد الرحمن خلال الساعات التالية للإخلاء وما زالت الأسرة في الشارع تنتظر مأوى، ويقول إن خيارات الإيواء تقلصت بعد خسارة البيوت التي لجأت إليها عائلته خلال الحرب واستشهاد عدد كبير من أقاربه؛ وهكذا تحولت مهمته من إحضار الملابس إلى البحث عن سقف يجمع زوجته وأطفاله الستة بعد ضياع الخيمة والطعام والفرش.
عند الساعة الثامنة من مساء 29 يوليو/تموز، بدأت إشارات الإخلاء تصل إلى سكان منطقة الشاطئ غربي مدينة غزة، وتحركت العائلات على عجل، وجمعت أطفالها وكبار السن، وحملت ما خفّ من الملابس والمقتنيات، ثم خرجت إلى الشوارع تترقب موقع الاستهداف والجهة التي ستقصدها.
وبعد ساعتين ونصف، وصل إخلاء ثانٍ قرب المنطقة ذاتها، أعقبه قصف دمر المنزل المستهدف وألحق أضرارا بعدد من المنازل المجاورة، فيما حمل الأهالي المصابين ونقلوهم وسط الظلام والازدحام.
عند الـ11:45 دقيقة ليلا، اتسعت دائرة الإخلاء لتصل إلى عمارة العلمي المقابلة للمستشفى الأهلي المعمداني قرب ميدان فلسطين، والتي تضم شققا سكنية ومحال تجارية، وتحيط بها منطقة مكتظة بالسكان، ما دفع العائلات والعاملين إلى مغادرة المكان خلال وقت قصير.
تلاحقت الاستهدافات مع قصف شقة سكنية غرب مدينة غزة، أسفر عن إصابة عدد من الأطفال، وخلال أقل من 4 ساعات، تنقلت المدينة بين اتصالات الإخلاء، وعائلات تهبط سلالم العمارات مسرعة، ومصابين يتجهون إلى المستشفيات، ومنازل وخيام تنضم إلى خريطة الدمار، فيما اتسعت موجة النزوح أمام أسر تبحث عن مكان تقضي فيه بقية الليل.
في اليوم التالي لاستهداف عمارة البسام في شارع النصر، التقينا ماجدة الزهارنة عقب نزوحها من مخيم ضم 39 خيمة، جلست وسط أفراد أسرتها بوجه شاحب وملامح أنهكها الخوف والجوع، بعدما فقدت خيمتها والفرش والطعام وكل ما جمعته خلال فترة النزوح.
احتضن المخيم نساء وشبابا وأطفالا وكبار سن، إضافة إلى مصابي حرب وأشخاص ذوي إعاقة. وتستعيد ماجدة اللحظات الأولى قائلة: “جلسنا داخل المخيم، ثم ارتفعت أصوات الصراخ وسقط الجميع أرضا وهم يحاولون الهرب”.
رأت أمامها نساء يفقدن وعيهن من شدة الخوف، وعائلات تتنقل بين الخيام بحثا عن أطفالها، بينما اندفع آخرون نحو المرضى والمصابين لمساعدتهم على مغادرة المكان.
تأخر خروج ماجدة وأسرتها مع انشغالهم بإجلاء مرضى القلب والمصابين ببتر الأطراف من أسرتها، إذ احتاج كل فرد إلى مساعدة وحركة حذرة وسط الازدحام والصراخ، وضاق الوقت سريعا، وتحولت خطوات الهرب إلى محاولة شاقة لحمل المرضى وإبعادهم عن موقع الخطر، فيما بقيت ماجدة تتنقل بينهم بقدرة أنهكها الخوف، حتى غادرت معهم في اللحظات الأخيرة.
امتدت رحلة الأسرة منذ ليلة القصف حتى عصر اليوم التالي وسط الجوع والبحث عن مكان مؤقت، بالتوازي مع رعاية مرضى القلب والمصابين، وحملت ملامح ماجدة خلاصة ما أصاب سكان المخيم من خيام مدمرة، ومقتنيات احترقت، وعائلات بدأت نزوحا جديدا بموارد أقل وأجساد أنهكها الخوف.
سبقت ليلة 29 يوليو/تموز موجة نزوح أخرى ضربت حي الزيتون شرقي مدينة غزة، ففي 22 يوليو/تموز، أطلقت طائرات مسيّرة من طراز كواد كابتر نيرانها باتجاه خيام النازحين، بالتزامن مع تحركات عسكرية مكثفة في محيط الحي.
ونقلت صحيفة هآرتس في تلك الليلة أن الجيش الإسرائيلي أقام سواتر ترابية داخل قطاع غزة تجاوزت في عدة مواقع المسار الرسمي لـ”الخط الأصفر”، ودخلت إلى مناطق تقع، وفق التفاهمات المعمول بها، تحت سيطرة حركة حماس. وأضافت الصحيفة أن أحد التجاوزات جنوب القطاع امتد أكثر من كيلومتر واحد.
وبعد 5 أيام، وتحديدا عند منتصف ليلة 27 يوليو/تموز، تعرض حي الزيتون لقصف مدفعي عنيف استهدف المناطق الواقعة غرب ما يُسمى الخط الأصفر، وامتد من شارع السكة جنوبا باتجاه عمق الحي.
فوجئ السكان بتقدم آليات جيش الاحتلال الإسرائيلي نحو شارع صلاح الدين في منطقة السنافور، لمسافة تُقدر بنحو 150 مترا مقارنة بالاقتحام السابق قبل أسابيع، دفع هذا التقدم مئات الأسر إلى مغادرة منازلها وخيامها تحت نيران الطائرات ومدافع الدبابات.
في محيط مفترق دولة بحي الزيتون، خرج أحمد أبو هاشم من خيمته برفقة زوجته وابنتيه منى (8 سنوات)، ونور (5 سنوات)، وغادرت الأسرة بالملابس التي ارتدتها لحظة الهجوم، وسارت حافية الأقدام نحو غرب مدينة غزة، وسط الركام والعتمة وحشود العائلات الباحثة عن طريق للنجاة.
يستعيد أبو هاشم تلك الساعات قائلا: “خرجنا بملابسنا التي نرتديها فقط، وكنت أسير وزوجتي إلى جانبي ومعنا طفلتاي، رافقني في كل خطوة سؤال واحد: هل سنصل أحياء؟”
ومع امتداد الطريق، أنهك التعب الطفلتين، فحمل الأب إحداهما على كتفه وضم الأخرى بين ذراعيه، وسقط أرضاً نتيجة دفع الازدحام والإرهاق على جسده، ثم استجمع قوته وواصل السير وسط أصوات الانفجارات وحركة النازحين.
يتابع أبو هاشم في حديثه للجزيرة نت: “عندما أنهك التعب طفلتيّ حملتهما، وأنا بالكاد أستطيع الوقوف، كنت أسمع الانفجارات وأرى الناس يركضون في كل اتجاه، وكل ما أريده أن أصل بعائلتي إلى مكان أكثر أماناً”.
تعرض أبو هاشم لإصابة خلال الطريق، وفي صباح اليوم التالي عاد لخيمته، “عدت لأبحث عن خيمتي وما تبقى من حياتي، فوجدتها قد قصفت واحترقت، كل ما كنت أملكه تحول إلى رماد”.
عند منتصف الليل، تلقت دعاء منير وأسرتها اتصالا من جيش الاحتلال الإسرائيلي يطالب سكان العمارة التي يقيمون فيها بمدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، بإخلائها تمهيداً لاستهدافها.
خلال دقائق، تحولت طوابق المبنى إلى حركة متسارعة، إذ بدأت عشر عائلات بإيقاظ أفرادها وطرق أبواب الجيران والاستعداد للخروج.
ساعد السكان المرضى وكبار السن على هبوط الدرج، فيما حمل عدد منهم جارا مقعدا لإيصاله إلى الشارع. وفوق المبنى، واصلت طائرات الاستطلاع التحليق، بينما تحركت العائلات وسط العتمة حاملة ما تمكنت من جمعه خلال الوقت القصير المتاح.
وصلت دعاء وأسرتها إلى منزل أحد الجيران، لتبدأ رحلة نزوح جديدة تضاف إلى أكثر من 11 رحلة تنقلت خلالها بين بيوت شمال القطاع وجنوبه، وفي كل محطة، حاولت الأسرة جمع مقتنياتها وترتيب يومها واستعادة قدر من الاستقرار، ثم جاءت جولة قصف جديدة لتعيدها إلى نقطة البداية.
تقول دعاء، التي أنفقت أسرتها مبالغ كبيرة على ترميم المنزل وإصلاحه وتجهيزه، أملا في استعادة حياتها بعد جولات النزوح السابقة: “كلما نؤسس أنفسنا، تهدم البيوت مرة ثانية (…) رممنا البيت وأصلحناه على أساس أن الحرب انتهت، ثم فقدنا كل ما امتلكناه في غمضة عين”.
ومع حلول الصباح، توزعت العائلات العشر بين منازل الأقارب والجيران، بعدما فقدت العمارة التي جمعتها. وبالنسبة إلى دعاء، حملت تلك الليلة نزوحا جديدا في مسار طويل من الانتقال بين البيوت، تبدأ خلاله الأسرة كل مرة بجمع أفرادها وذكرياتها، ثم البحث عن مكان يؤويها من جديد.
وفق المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، عزيزة الكحلوت في حديثها للجزيرة نت فقدت نحو 150 أسرة داخل مخيم الزهور مأواها بالكامل ليلة 29 يوليو/تموز وحدها، وتدخل هذه الأسر ضمن الحصيلة الإجمالية لتلك الليلة البالغة 171 أسرة تضم نحو ألف شخص، بينهم 490 طفلا في محافظات غزة والوسطى والجنوب.
كما دُمر 117 منزلا و54 خيمة خلال الليلة ذاتها، وأوضحت أن عددا كبيرا من المنازل المستهدفة كان يؤوي عدة أسر نازحة لجأت إلى أقاربها وأصدقائها، ما جعل تدمير المنزل الواحد سببا في تشريد أكثر من عائلة.
ووفق المتحدثة، عملت فِرق الوزارة على حصر الأضرار وتقييم أوضاع الأسر وتحديد أولويات التدخل وتقديم المواد الغذائية والفرش والأغطية ومواد النظافة والمستلزمات الأساسية، إلى جانب خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، بالتنسيق مع المؤسسات الشريكة.
ومن جهته وصف مدير الدفاع المدني في غزة، العميد رائد الدهشان، ليلة 29 يوليو/تموز بأنها إحدى أعنف الليالي التي واجهتها طواقمه خلال الفترة الأخيرة، في ظل تتابع الاستهدافات وتوزعها بين مناطق عدة خلال ساعات قصيرة.
وأوضح في حديثه للجزيرة نت أن كثافة البلاغات فرضت تحديا كبيرا في توزيع فرق الإنقاذ والإطفاء، إذ انتقلت الطواقم من موقع إلى آخر فور انتهاء كل مهمة. ويقول “كلما عادت الطواقم إلى مقرها لالتقاط أنفاسها، وصل بلاغ جديد خلال أقل من عشر دقائق، فتتحرك مباشرة نحو موقع استهداف آخر”.
by الناشر | 25 July 2026 | إقليمي ودولي
فتحت تصريحات عمدة لندن صادق خان بشأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سجالا واسعا، بعدما أكد أنه “غير مرحب به” في العاصمة البريطانية، ودعا إلى تنفيذ مذكرة توقيفه الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية إذا زار المملكة المتحدة، وسط انتقادات إسرائيلية ودعم من ناشطين وسياسيين.
وجاءت تصريحات خان خلال مقابلة مع قناة تشانل 4 نيوز (Channel 4 News)، قال فيها إن “المتهمين بارتكاب إبادة جماعية يجب أن يواجهوا العدالة”، مؤكدا أنه سيضغط على رئيس الوزراء البريطاني لضمان تنفيذ القانون إذا زار نتنياهو المملكة المتحدة.
وأضاف: “الأشخاص الذين يرتكبون إبادة جماعية غير مرحب بهم في لندن”.
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار سريان مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية لنتنياهو في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، للاشتباه في ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، وهي اتهامات ترفضها “إسرائيل”.
وسرعان ما أثارت تصريحات خان ردودا إسرائيلية غاضبة، إذ اتهمته السفارة الإسرائيلية لدى المملكة المتحدة بتبني “أكذوبة الإبادة الجماعية”.
وقالت، في منشور عبر منصة “إكس”، إن تصريحاته تشجع على الكراهية والعنف، داعية إياه إلى التركيز على تعزيز العلاقات بين مكونات المجتمع في لندن ومواجهة معاداة السامية، بدلا من التدخل في قضايا السياسة الخارجية.
كما انتقد المجلس القيادي اليهودي في بريطانيا تصريحات خان، معتبرا أنها “غير مسؤولة” وتسهم في تعميق الانقسام داخل العاصمة، مؤكدا أن من واجب عمدة المدينة توحيد المجتمعات المحلية لا الانخراط في ملفات السياسة الخارجية.
وفي السياق ذاته، اعتبر الكاتب بن غرين أن وصف ما يجري في غزة بأنه “إبادة جماعية” يمثل “افتراء معاديا للسامية”، ورأى أن تصريحات خان تجعل اليهود في لندن أقل أمانا.
من جانبه، شكك المحامي ستيفن باريت في قانونية مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، معتبرا أنها لا تستند إلى أساس قانوني حتى وفق قواعد المحكمة نفسها.
في المقابل، لاقت تصريحات خان ترحيبا من ناشطين وشخصيات عامة، إذ تساءلت الكاتبة البريطانية آش ساركار عما إذا كان خان أصبح “أرفع سياسي في حزب العمال يصف ما يقوم به نتنياهو بالإبادة الجماعية”.
ورأى المحامي فهد أنصاري أن تصريحات عمدة لندن تثير تساؤلات بشأن مسؤولية الدول التي تواصل تزويد “إسرائيل” بالسلاح أو توفر لها الغطاء السياسي والدبلوماسي.
كما أشاد ناشطون بتصريحات خان، معتبرين أنه تحلى بالشجاعة في التعبير عما وصفوه بـ”الحقيقة”، في وقت قالوا إن قطاعات من النخب السياسية والإعلامية البريطانية تلتزم فيه الصمت تجاه الحرب في غزة.
واعتبر ناشطون آخرون أن موقف عمدة لندن يمثل خطوة طال انتظارها من أحد أبرز مسؤولي حزب العمال، داعين شخصيات أخرى في الحزب إلى اتخاذ مواقف مماثلة بشأن الحرب على غزة، ورأى آخرون أن تصريحاته تعكس تقاربا مع مواقف عمدة نيويورك زهران ممداني.
وفي المقابل، رأى بعض المنتقدين أن خان تأخر في استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية”، مشيرين إلى أنه تجنب هذا الوصف في مقابلات سابقة رغم المطالبات المتكررة.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتخذ فيها خان مواقف داعمة لوقف الحرب في غزة، إذ دعا مرارا منذ اندلاع الحرب إلى وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية، كما طالب الحكومة البريطانية بمراجعة صادرات الأسلحة إلى “إسرائيل”.
وفي مايو/أيار 2025، وخلال مقابلة مع إذاعة إل بي سي (LBC)، امتنع خان عن وصف ما يجري في غزة بأنه “إبادة جماعية”، مؤكدا آنذاك أن الفصل في هذا الوصف يعود إلى المحاكم الدولية المختصة، وهو ما دفع بعض المنتقدين إلى اعتبار موقفه الحالي تحولا مقارنة بتصريحاته السابقة.
by الناشر | 23 July 2026 | إعلام عبري
شنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو هجوماً حاداً على رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، بعد أن هدّد هذا الأخير بالسعي لاعتقاله في حال هبوطه على أراضي المدينة، وذلك على الرغم من أن الولايات المتحدة ليست طرفاً في اتفاقية جنيف، وليست خاضعة للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
وجاء هجوم نتنياهو هذا في سياق تغريدة طويلة نشرها في الحساب الرسمي لديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية في منصة “إكس” مساء أول أمس (الاثنين)، وصف فيها المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بأنها تتجاهل معايير القانون والعدالة، وأكد أنه لا توجد لها أي صلاحية قضائية على الأميركيين، أو الإسرائيليين.
وقال نتنياهو: “على ممداني أن يركز على إصلاح الضرر الذي تسبب به للمدينة. إن أمر الاعتقال ضدي صدر عن المدعي العام السابق في محكمة لاهاي كريم خان، قبل أيام قليلة من نشر الاتهامات ضده بشأن سلوك جنسي غير لائق. وهذه محاولة واضحة من خان لتحويل انتباه الرأي العام عنه، والدفاع عن نفسه من الانتقادات.” وأشار نتنياهو إلى أنه تحت قيادته “اتخذت “إسرائيل” خطوات غير مسبوقة في زمن الحرب لتقليل الأضرار التي تلحق بالسكان المدنيين خلال المواجهة مع ’حماس’، وهي منظمة ’إرهابية’ تستخدمهم كدروع بشرية وتحاول إيذاء المدنيين الإسرائيليين الأبرياء.”
وفي ختام تغريدته كتب نتنياهو: “بدلاً من دعم السلوك الإجرامي لخان يجب على ممداني أن يركز على إصلاح الضرر الذي لحق بنيويورك نتيجة سياسته. ويبدو أن ممداني، مثله مثل كريم خان، مهتم بتحويل انتباه الجمهور عن أفعاله ومهاجمة زعيم الدولة اليهودية والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.”
وكان ممداني صرّح خلال مقابلة أجرتها معه صحيفة “نيويورك تايمز” بأن بلدية نيويورك لا تزال تناقش إمكان اعتقال نتنياهو إذا ما جاء إلى نيويورك لإلقاء كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر المقبل، معرباً عن اعتقاده أن مكان هذا الأخير هو في لاهاي. وأضاف: “إنه [نتنياهو] مجرم حرب، ووجهت إليه المحكمة الجنائية الدولية تهماً. وستجدون أن هذا الرأي شائع بين كثيرين، نظراً إلى ما أحدثته أفعاله على مدى الأعوام الماضية. “
وأوضح ممداني أنه ليس من الواضح ما إذا كان لديه الصلاحية القانونية لإصدار أوامر إلى شرطة نيويورك، التي يشرف عليها، تقضي باعتقال زعيم أجنبي، مثل نتنياهو، لكنه قال إنه في حوار ناشط مع القسم القانوني في المدينة بشأن هذا الموضوع. وأضاف: “إن ما يسمح لي به القانون في نيويورك هو ما سنفعله، لكننا لن نكتب قوانين خاصة بنا لهذا الغرض.”
وسرعان ما دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خط الأزمة بين نتنياهو وممداني؛ فكتب ترامب في منصة “تروث سوشيال” أول أمس: “لن يُعتقل بنيامين نتنياهو، بأي شكل من الأشكال، في أثناء وجوده في الولايات المتحدة. إنه يحارب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي قتلت مؤخراً 52.000 متظاهر بريء، وأمضت السنوات السبع والأربعين الماضية في قتل جنود أميركيين وغيرهم. إن مَن يجب اعتقالهم هم فقط مَن قادوا إيران إلى هذه الدوامة غير المسبوقة من الموت والدمار، وهو أمر كان ينبغي للرؤساء السابقين معالجته منذ أعوام.”
من ناحيته، وصف السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز تصريحات ممداني بأنها مسرحية سياسية بحتة، وأشار إلى أن الولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية.
يُذكر أن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أصدرت مذكرة اعتقال بحق نتنياهو وقادة إسرائيليين آخرين في سنة 2024، واتهمتهم بارتكاب جرائم حرب خلال هجمات حركة “حماس” على “إسرائيل” يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وبعدها. وندّد كلٌّ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس السابق جو بايدن، بمذكرة المحكمة الجنائية الدولية.
ولم تصادق الولايات المتحدة على نظام روما الأساسي، الذي يُلزم الدول باعتقال الأشخاص الصادرة بحقهم مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية. وصعّدت إدارة ترامب معركتها المستمرة منذ فترة طويلة ضد المحكمة، ومؤخراً تعهد وزير الخارجية ماركو روبيو بتفكيك المحكمة، متهماً إياها بشنّ حرب على الولايات المتحدة، لا بالرصاص، أو الصواريخ، بل بقوة ما يُسمى بالقانون الدولي.
ويُعتبر ممداني منتقداً حاداً للحكومة الإسرائيلية، وانتقد الحرب التي تشنها “إسرائيل” على غزة مراراً، ووصفها بأنها إبادة جماعية.
by الناشر | 20 July 2026 | إعلام عبري
السبت الماضي، رأى العالم كله مرة أخرى -كالمعتاد، باستثناء الجمهور الإسرائيلي – مشاهد الفظاعة من قطاع غزة. هذه المرة كانت جثة ممزقة لأروى نسمان، ابنة الثامنة، وهي تنقل إلى غرفة الأموات إلى المستشفى في غزة. فقد قتلت نسمان في هجوم لطائرات إسرائيلية على بيتها، هجوم قتل فيه أربعة من أبناء عائلتها أيضاً، لم ينج أحد من العائلة سوى أخيها أيهم، ابن الـ 13.
كما في عدد لا يحصى من حالات مشابهة، بعد يوم من الهجوم رفض الناطق العسكري تبديد الضباط: ماذا كان هدف الهجوم؟ هل أخذ إصابة الأبرياء بالحسبان؟
نسمان هي الطفلة الأخيرة، حالياً، التي قتلها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة. منذ وقف النار في القطاع، قتل الجيش الإسرائيلي 1144 شخصاً، منهمما لا يقل عن 275 طفلاً. يدعي الجيش الإسرائيلي بأن الهجمات تستهدف المخربين من منظمات الإرهاب “الذين رغم اتفاق وقف النار يواصلون ماضون في مخططات الإرهاب ضد قوات الجيش الإسرائيلي ودولة “إسرائيل”، على حد تعبير الرد من الناطق العسكري الإسرائيلي. وفي هذا الشأن، يجدر بالذكر أن حماس حتى وإن لم تف بتعهد نزع سلاحها، لكنها توقف النار. منذ تشرين الثاني – بعد نحو شهر من بدء وقف النار – لم تهاجم حماس جنوداً في القطاع.
أما الجيش الإسرائيلي فلم يوقف النار حتى ولو ليوم واحد، فقد واصل سياسة النار إياها التي استمرت طوال سنوات الحرب وما قبلها: دحر المس بالأبرياء إلى أسفل منظومة اعتباراته في تخطيط الهجمات وتنفيذها.
سياسة النار هذه كلفت حتى الآن حياة أكثر من 21 ألف طفل. على الجمهور الإسرائيلي أن يسأل نفسه متى وهل ستمتلئ جرة الثأر لـ 7 أكتوبر. كل هذا لأن لهذا القتل أثماناً فظيعة، وهو قتل لا يساهم في شيء لأمن دولة “إسرائيل” أو لأمن الجنود.
هذا القتل يضعف الجيش الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي، ويصم سمعة دولة “إسرائيل” بجرائم حرب وبجرائم ضد الإنسانية. هذا القتل يخرج “إسرائيل” من أسرة الشعوب ويشجع المقاطعة والحظر ضد الدولة، ويعزز المحافل الأكثر تطرفاً في المجتمع الفلسطيني، ويلحق صدمات وجراحات أخلاقية بجنود الجيش الإسرائيلي ويتسبب بـ “حيونة” المجتمع الإسرائيلي.
لكن فوق كل شيء – قتل الأطفال، ولا سيما بمثل هذا المدى يعدّ جريمة رهيبة، تقوض أساسات وجود أي مجتمع بشري. على الجيش الإسرائيلي أن يوقف النار بشكل مطلق، باستثناء حالات يرى فيها خطراً واضحاً وفورياً على سلامة الجنود. على جهاز الأمن أن يحقق في حالات إصابة أبرياء وتقديم المسؤولين عن ذلك إلى المحاكمة.
هآرتس 20/7/2026
by الناشر | 16 July 2026 | إعلام عبري
لا شيء من الأحداث الخطيرة التي تجري هذه الأيام في مجال الأعراف الحكومية في “إسرائيل”، يضاهي في خطورته الطريقة التي تتعامل فيها حكومة “إسرائيل” – أو بالأحرى، تفشل في التعامل معها – مع ظاهرة الجرائم القومية والإرهاب اليهودي في المناطق المحتلة. أصبحت التقارير عن المذابح دون اعتقالات، أمراً روتينياً، وكأنها ظاهرة طبيعية: يأتون، ينفذون مذبحة، ثم يغادرون دون أي اعتقالات. وحتى عندما تصل قوات الجيش الإسرائيلي إلى المنطقة وتتدخل وتشوش على منفذي المذبحة أثناء تأدية واجبهم، أو تساعد السكان على الهرب من بيت يحترق، لا يتم اعتقال أحد.
ما دام الائتلاف الحاكم الحالي في السلطة فلن يتغير شيء. مع ذلك، إذا تغيرت الحكومة في الانتخابات القادمة، فقد يفتح الطريق، ليس فقط لتغيير السياسة، بل أيضاً لإجراء تحقيق في الأحداث الخطيرة وغير المسبوقة التي حدثت وتحدث في هذا الصدد. عندها، إضافة إلى لجنة التحقيق الرسمية في أحداث 7 أكتوبر (قضية يتوقع أن تحظى بتوافق واسع)، ينبغي تشكيل لجنة تحقيق رسمية أخرى: للتحقيق في أفعال وتقصير الحكومة الإسرائيلية والمؤسسة الأمنية فيما يتعلق بالإرهاب اليهودي. هناك احتمالية أن تضم أي حكومة ائتلافية مستقبلية قوى مستعدة للنضال من أجل هذا الأمر.
الموضوع الأول للتحقيق فيه هو أمر وزير الدفاع “إسرائيل” كاتس، الذي يحظر الاعتقالات الإدارية لليهود في المناطق المحتلة، الذي بدأ فيه ولايته. لا صلة لهذا الأمر بالنقاش الذي يجري حول الاعتقالات الإدارية. فالوزير لم يأمر بوقفها أو الحد منها، أو وضع آلية جديدة تمنع إساءة استخدام هذه السلطة، بل أمر باستخدامها ضد العرب وليس ضد اليهود. بمعنى آخر، يجب على السلطات الأمنية في المناطق المحتلة استخدام هذا الإجراء لحماية اليهود من العرب، لكن لا يسمح لها باستخدامه لحماية العرب من اليهود، بغض النظر عن مستوى خطورة التهديد.
هذا ليس قراراً ليبرالياً أو قراراً أمنياً محافظاً، بل قرار إجرامي؛ فهو يشجع الزعران والمخربين والإرهابيين، ويصعب على ملاحقتهم، ويوحي لهم بأن الحكومة تحابيهم. تجرى تحقيقات قانونية في مثل هذه الأمور، وعلى كاتس أن يدرك بأن ما يناسب الانتخابات التمهيدية ليس بالضرورة مناسباً عند المساءلة القانونية. بالطبع، المسؤول الأول عن تصرفات الحكومة، خاصة في المسائل الأمنية، هو رئيس الحكومة نتنياهو، الذي يفوض وزير الدفاع بتنفيذ هذه السياسة.
يشهد قادة الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية بأن هذا القرار يصعّب عليهم التعامل مع الجرائم القومية. وهذا ليس غريباً، فهذا هو الغرض منه بالتحديد. ولكن هؤلاء القادة أنفسهم، وعلى رأسهم رئيس الأركان والقائد العام للمنطقة، بحاجة أيضاً إلى التحقيق؛فهم إلى جانب قادة الشرطة والوزير بن غفير، مسؤولون عن ندرة الاعتقالات غير الإدارية. ترتكب المذابح أمام أنظار جنود الجيش الإسرائيلي، وفي معظم الحالات لا تسفر عن أي اعتقالات. يتصرف الجيش الإسرائيلي بشكل منهجي وكأنه لا يملك أي سلطة، وكأن اعتقال مثيري الشغب اليهود الذين يرتكبون أعمالهم أمام الجنود، ليس من مهماته. ولكن التوجيهات الأمنية التي تخول كل جندي في المناطق باعتقال أي شخص يخل بأمن المنطقة أو بالنظام العام، لا تميز بين اليهود والعرب، وسياسة عدم اعتقال مثيري الشغب اليهود في مسرح الجريمة هي سياسة إجرامية أيضاً. وعندما يوثق جندي وهو يشارك في نوع من الإجرام كهذا، كما حدث مؤخراً، يعلن الجيش الإسرائيلي بأنه سيعالج الأمر بصورة انضباطية. لماذا انضباطية؟ هذه جريمة كراهية.
رغم كل هذه الأمور الخطيرة، لا خيار جدياً لأي شخص يعيش ويرغب في الاستمرار في العيش في هذه الدولة، للتخلي عن الجيش الإسرائيلي؛ لأننا ما كنا لنعيش هنا لولا الجيش الإسرائيلي. ولكن جيش الدفاع الإسرائيلي أعظم من كل قادته ورؤساء أركانه. لذلك، يجب على كل من يساهم اليوم في الوضع الإجرامي السائد في هذه المنطقة أن يضع في اعتباره أنه قد يسأل عن أفعاله.
ألكسندر يعقوبسون
هآرتس 15/7/2026