انهيار ويأس.. جنود إسرائيليون “يزيّنون” خوذاتهم بشعار المسيح في الجنوب اللبناني
في نهاية التسعينيات كان الأطفال في ملعب بنت جبيل لكرة القدم يلعبون بكرة بالية على جدران مثقوبة بسبب الحرب، ويحلمون بعشب أخضر مثل عشب بيروت. بعد بضع سنوات، بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي بفترة قصيرة، أصبح الملعب رمزاً. على منصة مؤقتة عند خط المنتصف، وقف حسن نصر الله وألقى خطابه الشهير “شبكة العنكبوت”، الذي شبه فيه المجتمع الإسرائيلي بشبكة العنكبوت الضعيفة، وبذلك حوّل ملعب بنت جبيل لكرة القدم، المتواضع، إلى رمز للمقاومة.
أمس، عندما توقفت قافلة المراسلين العسكريين عند هذا الملعب، لم يكن هناك أي أثر للعشب أو شبكة العنكبوت، فالفرقة 98 احتلت المكان وفككت المدرج ودمرت هيكل المبنى، ولم تترك آثار القنابل أي أثر للمكان الذي كان يُحتفلفيه بالأهداف. حاول الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية تحويل رمز المقاومة إلى رمز نصر درامي، وإغلاق الدائرة بالتدريج. ولكن عند النظر إلى ما وراء أسوار الملعب المحترق، البلدة، تعرف أن بنت جبيل ليست إلا حلقة أخرى في سلسلة الدمار في جنوب لبنان، واحدة من 35 قرية تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي التي تقرر هدمها. قال قائد رافقنا إلى البلدة، الواقعة في وادي محاط بالجبال، خلافاً لمناطق أخرى في المنطقة، لا مبرر عملياً للاحتفاظ بها.
رافق قادة ومقاتلون من الفرقة 91 جولة ميدانية، وعرض كبار الضباط مفهوم الدفاع المتحرك الجديد. من المفروض أن يحل هذا النظام محل مفهوم الدفاع الثابت المطبق في 7 أكتوبر بإقامة 18 موقعاً متقدماً جديداً داخل أراضي لبنان. كان للصحافيين الكثير من الأسئلة، لكن إجابة شافية لجميعها. وعندما سئل ضابط كبير عن القانون، الذي صادقت عليه الكنيست في اليوم السابق والذي من المتوقع أن يمنع اعتقال المتهربين من الخدمة العسكرية، كان يقف خلفه مقاتلون في الاحتياط متعبون. توقفوا بالفعل عن إحصاء أيام خدمة الاحتياط في السنوات الثلاث الأخيرة، ولم يرغبوا في التفكير في عدد الأيام التي سيقضونها في المنطقة الأمنية الجديدة التي يتم إنشاؤها هنا. عند طرح السؤال، التزم كبار القادة الصمت وامتنعوا عن الإجابة وقالوا إنها “مسألة سياسية”.
فجأة، اقترب جندي احتياط مخضرم من المراسلين بغضب، وقال بحدة: “لقد أهنتموني”. وعندما سألته عن السبب قال: “أنا هنا منذ 900 يوم، وسأبقى هنا 900 يوم آخر حتى يتمكن طلاب المعاهد الدينية من مواصلة تعلمهم”. لم يكن مستعداً للاستماع إلى أي تفسير أو إدراك أن الكثير من جنود الاحتياط ينهارون تحت الضغط. وقد صرخ في وجه مراسل القناة 12 الإخبارية: “أعتذر للقوة 100!”، بعد ذلك، رفض التحدث مع القناة 13، وقال إنه لا يرغب إلا في إجراء مقابلة مع القناة 14.
كان من السهل التركيز على وجه الجندي الغاضب وكلماته القاسية. لكن ما كان موجوداً على زيه العسكري أكثر ما أشار إلى حالة الجيش الإسرائيلي. ففي حضور كبار الضباط، كانت خوذة الجندي مزينة بشعار المسيح ورقعة المعبد. وعندما سئل الضابط الكبير عن سبب السماح بذلك خلافاً لتعليمات رئيس الأركان إيال زامير، هز رأسه وابتسم وغمز غمزة صغيرة محرجة، وقال: “أنت على حق، لكن لا يمكننا التعامل مع جنود الاحتياط”.
كانت هذه الغمزة كافية للتعبير عن كل شيء. فقد عبرت عن فقدان الانضباط، وفشل قيادة رئيس الأركان في اجتياز حدود الجدار والدخول إلى منطقة القتال. يختار الجنود في الميدان تجاهل أوامره ويتجاهل القادة الأمر، للحفاظ على السلام المصطنع.
جنديان آخران في الاحتياط كانا يقفان جانباً، شعرا بالإحراج من المحادثة. وبعد أن تفرق المراسلون قليلاً، اقتربا بهدوء، بعيداً عن أنظار القادة، وأرادا أن يشكراه على طرح هذا الموضوع. وأكد أحدهما: “إنه لا يمثلنا حقاً. هو يتحدث من منطلق موقفه السياسي، لا يهتم لانهيار أصدقائه أو تفكك عائلاتهم أو إغلاق أعمالنا. رجاء، استمر في إيصال صوتنا”.
الجندي الثاني، وهو طالب شاب، وافق على كلامه. واعترف: “يأتي الناس إلى الاحتياط لأنهم مضطرون. ولكن من يزعم بعدم وجود ثمن للخدمة في الاحتياط، فهو كاذب”. “عندما أتأخر عن التعليم بعد مهمة في لبنان، لا يظهر أحد في الكلية أي تسامح معي. لقد استدعاني أستاذي بالفعل للتحدث معي، وقال لي بأنه غير مستعد لقبول أي غياب أو أي تأخير آخر. الشخص الذي صرخ هناك متطوع كبير في السن، وليس لديه ما يخسره. لا تعتقدوا أنه واجهة قوات الاحتياط، لأنه بعيد جداً عن ذلك”.
سندريلا محلية
جنوب لبنان مهجور. لمنع أي احتمالية لإلحاق الضرر بالقوات، فأي شخصيُرى في المنطقة يعدّ إرهابياً. الاستثناء الوحيد هو القرى المسيحية. تظهر من بعيد كجزر خضراء وادعة لم تمسها يد الإنسان، جيب إنساني يضم حوالي 20 ألف نسمة، وقد وفر الجيش الإسرائيلي حماية معقدة له. يتفاخر الجيش بالحماية التي يوفها للمسيحيين، لكنه يوضح بأنه يراقب الوضع عن كثب هناك، لمنع حزب الله من استغلال هذا الملاذ.
أثناء الجولة شرح الضابط برنامج “الطبق الفضي” الذي ينفذه الجيش الإسرائيلي في قرى جنوب لبنان. هدف البرنامج بسيط: تدمير حوالي 70 في المئة من المباني الموجودة في المنطقة بعد تصنيفها بأنها “بنى تحتية إرهابية”. هناك أكثر من 30 معياراً لتحديد ما يعتبر بنى تحتية إرهابية، من بينها المباني السكنية الواقعة قرب أماكن تم رصد وجود إرهابيين فيها. يتم إجبار المقاتلين على الوقوف فيها مكشوفين لساعات، ويقومون بحماية الجرافات التي تهدم البيوت واحداً تلو الآخر، بمجرد تحقيق حصص “تدمير البنى التحتية”.
عندما غادرت الجولة بنت جبيل، كان يمكن رؤية مرتفعات سلفستر، التي وصفها الجيش بأنها “استراتيجية”، وتسيطر عليها دبابات اللواء 301. واستمرت الآليات الهندسية بالحفر في أراضي لبنان، وإقامة جدار آخر ووضع المكعبات الإسمنتية للموقع التالي للقطاع الأمني القديم – الجديد الذي يغرق الجيش في داخله. على الورق، حقق الجيش الإسرائيلي “صورة نصر” مؤقتة هنا. فقد تم تدمير ملعب “خطاب شبكة العنكبوت”، وتراجع حزب الله. لكن من الملعب المدمر في بنت جبيل بالتحديد، انبثقت قصة نجاح باهرة للرياضة اللبنانية في السنوات الأخيرة. تأسس نادي كرة القدم في المدينة في العام 1963، وعانى لعقود من التذبذب في الدرجة الدنيا وسط صعوبات اقتصادية وحروب أهلية. حتى كاد يقضى عليه تماماً مع تصاعد الأحداث في 2024. ولإنقاذ النادي، قاد المدرب حسين صوفان خطوة غير مألوفة: انتقل الفريق من نادي بنت جبيل المنهار وتبنته عائلة ثرية في مدينة جواية ومولته. وغير النادي اسمه من بنت جبيل إلى جواية، ولعب في ملاعب بديلة.
أما في “إسرائيل”، فلا تكمن المشكلة الحقيقية في بنت جبيل، بل داخل الجيش، في الانضباط الذي ينهار أمام النزعة الشمولية، وفي القادة الذين يتغاضون عن أوامر رئيس الأركان بدلاً من تنفيذها، وفي قوات الاحتياط التي تتآكل كفاءتها بالتدريج بسبب العبء غير المتكافئ، في حين تعطي الحكومة استثناءات سياسية للمتهربين من الخدمة.
ينيف كوفوفيتش
هآرتس 16/7/2026
