إحجز مساحتك الإعلانية على Akhbar961 مع Black Advertising Agency
منوعات

ذكرى “عاشوراء” توحّد: تفاعلات وطنية في شمال لبنان

مدة القراءة: 4 دقيقة

ساهم نزوح الجنوبيين إلى شمال لبنان في تعزيز الوحدة الوطنية والتقارب الاجتماعي، حيث تجلى ذلك في إحياء ذكرى 'عاشوراء' بمشاركة مشتركة عكست قيم العيش المشترك والتلاحم الإنساني.

ذكرى “عاشوراء” توحّد: تفاعلات وطنية في شمال لبنان
من الأرشيف

انتشر الجنوبيون في أرجاء الوطن حاملين معهم ثقافتهم، وإرثهم، ومعتقداتهم، وبقدر ما هي بعيدة، في الظاهر، من بقية الثقافات والقيم والمعتقدات لدى بقية اللبنانيين، بدت بوجودهم بين أهلهم المستضيفين لهم قريبة، ومطواعة للتفاعل كأنها من منبت واحد، ومنهل واحد. “عاشوراء” توحّد بين اللبنانيين تتظهّر يوماً بعد يوم تفاعلات نزوح الجنوبيين خارج مدنهم وبلداتهم وقراهم ، وينطبق على عملية النزوح القول السائد: “ربّ ضارة نافعة”، فالنزوح الذي هو اقتلاع جسدي، وعقلي، وعاطفي، وتشتت، وضياع، وتوجّس من المجهول، لكنه ما فتىء يخلّف مفاعيل تندرج في تصنيف الإيجابي من الأمور. دروس جديدة تتولّد من عملية النزوح بتفاعلات لم تكن متاحة قبلاً، في ظل سؤال: كيف يمكن لأبناء وطن واحد، صغير بحجم لبنان، هو الحد الأدنى لأحجام الأوطان، أن لا يعرفوا بعضهم عن كثب؟! كأنّ اللبنانيين كانوا بحاجة إلى مأساة كبيرة ليتقاربوا، ويتفاعلوا بخطىً تزيد من لحمة الوطن، ومجتمعه، وأهميّة توجهه نحو التوحّد، والانصهار. انتشر الجنوبيون في أرجاء الوطن حاملين معهم ثقافتهم، وإرثهم، ومعتقداتهم، وبقدر ما هي بعيدة، في الظاهر، من بقية الثقافات والقيم والمعتقدات لدى بقية اللبنانيين، بدت بوجودهم بين أهلهم المستضيفين لهم قريبة، ومطواعة للتفاعل كأنها من منبت واحد، ومنهل واحد. ويبدو أن الجنوبيين المتجمعين في مساحات جغرافية محدّدة لبنانياً، كالجنوب والبقاع والضاحية، كانوا على تماسٍ مع بقية أطياف المجتمع اللبناني بتنوعاته المختلفة، العامودية طائفياً ومذهبياً، والأفقية اجتماعياً، فبين ظهرانيهم، تعيش بيئات من مختلف الأطياف، وقد كانوا على انفتاحهم، وطيبة يحملونها في دواخلهم، متفاعلين، متفهمين، يدركون الآخر، ويعرفونه، وربما تأثروا به بطرق مختلفة. تحضير المفتقة والحلويات بين الضيوف النازحين وأهالي الشمال بعض المناطق اللبنانية، كالشمال مثلاً، خلا، أو كاد، من الانتماء الديني الذي يتمتع به الجنوبي، ويقتصر وجودهم فيه على مناطق قليلة، لم يكن حجمهم فيها كافياً لإحداث تفاعلات ذات فاعلية وتأثير. وخلال تهجيرهم ما بعد 2024، حضروا بكثافة، وكان لهم حضور لافت، وأكثر ما لفت الانتباه سرعة تفاعلهم مع البيئات المختلفة الأخرى، وانفتاحهم على تقاليد المجتمعات التي حلّوا فيها، فتشاركوا الجيرة، وكل ما يمتّ لها بصلة، فكانت الأعياد، على سبيل المثال، مناسبة التقاء، وتفاعل، ومزيد من التقرب، وإن هي إلا شهور قليلة حتى بلغ التفاعل حدّ الاندماج، تجربة قيّمة لتوطيد مفاعيل الوحدة الوطنية التي بات لبنان بأمسّ الحاجة لها. تحضير الهريسة للمناسبة الجامعة وبعد تجارب التشارك في أعياد رأس السنة وموسمها، مع ما تحتويه من مناسبات عديدة، تحلّ ذكرى “عاشوراء”، ولا بد للنازحين من الاحتفاء بها بطريقتهم، ولم يكن ذلك ممكناً بمعزل عن البيئة التي باتوا جزءاً منها، وهي تقرّبت منهم، وبات الجميع امام وحدة حال ومصير. “أكلة” هريسة مشتركة مشهد الاحتفال العاشورائي كان مشهداً وطنياً مختلطاً، فاجتمعوا على حبّ حسين، وقاموا بطبخ “الهريسة” كتقليد عاشورائي، وقعة ليست غريبةً عن بقية البيئات التي تعتمدها وجبة طيبة ومفيدة. وبسحر ساحر ركبت “الدسوت”، وحضر حشد مختلط على طبخها، وتحريكها بالملاعق الكبيرة، يمسكون بأيدي بعضهم في عملية الطبخ، والتحريك، ثم الصبّ في أوعية بهدف التوزيع على البيوت، والعائلات. وكانت جلسات جرى خلالها تحضير حلوى “العبّاس”، وهو كعك حلو المذاق يتطابق مع كعك يصنعه بقية الناس في مناسباتهم، وخصوصاً “المرقّد” في المرفع المسيحي قبل مناسبات الفصح، أضيفت إليها حلويات معروفة، ومنتشرة، وتركيز على شرب المياه والعصائر بكثرة رمزاً لرحيل العباس على عطش. احتفالية ناشطة جامعة وتحوّلت عاشوراء العكارية إلى احتفالية ناشطة، جرت فيها حركة عيد أضيف إلى الأعياد المحلية، وأضفى رونقاً جديداً جميلاً على مجتمع اختلط فيه النزوح بالمقيم، ولم يعد التمييز وارداً بين عناصره. لم تستطع الجنوبية، ابنة النبطية، ملاك فقيه كبت مشاعرها أزاء تفاعلها، وبقية النازحين مع احتفالية عاشوراء الجديدة في بينو العكارية، وكتبت دهشتها لتفاعل الآخرين مع تقاليدها، ومما كتبت: “يا أشرفَ الناسِ وأطهرَ الناسِ، السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته. وهل يليق بكم إلا هذا الوصف؟ إنكم تذكّروننا بـ (وهب) ، ذلك المسيحي الشجاع الذي نصر الحق في معركة كربلاء، فوقف موقف الأبطال، وأثبت أن نصرة الحق والمحبة أسمى من كل انتماء”. “واليوم نرى في عكّار صورًا مشرقةً من هذا الوفاء، تُقام الشعائر بمحبة، وتُوزَّع الهريسة، ويُصنع كعك العباس، وحتى الكوليفا، ذلك القربان الذي يُقدَّم في مناسباتهم الدينية، ازدان بحبّ الحسين، وتزيّن بعبارة: “يا حسين”، في مشهدٍ تنطق تفاصيله بالمودّة والإخاء، وكأنّ القلوب قد اتفقت قبل الكلمات”. أضافت: “في العام الذي سطّر فيه الجنوب ملاحم البطولة والصمود، سطّرت عكّار ملحمةً أخرى، ملحمة المحبة والعيش المشترك، حيث تجتمع القلوب قبل الأيدي، وتلتقي النفوس على مائدةٍ عنوانها المحبة والوفاء. هنا تسقط الفتن الطائفية، ويتلاشى الحقد، ولا ترتفع إّلا راية المحبة. هنا تلتقي القلوب البيضاء على الفرح كما على الحزن؛ يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، تجمعنا بهم الإنسانية، ويزيدنا حبُّ الحسين قرباً ووئاماً”. تحضير كعك العباس وختمت: “ما رأيناه منكم لم يكن كلمات تُقال، بل محبةً تُعاش، وكرمًا يُترجم بالأفعال، ووطنًا يتّسع للجميع”. كتابات معبرة عن محبة أهل الوطن واتخذ النازحون من مشاهد الاحتفال صوراً جامعة، ارفقوها بعبارات الود: “وفي عاشوراء، لا يسعنا إلّا أن نتوجه بالشكر لكل من جسّد قيم الاحترام والعيش المسترك”، و”كل امتناننا لأخوتنا المسيحيين الذين كانوا، كما عهدناهم، شركاء في الاحترام والانسانية”، و”نجتمع على حب حسين”.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة بعلامة *.

Akhbar961
تابعنا