“سروج” يوثق دوريات القرن الماضي
البناء عقد من الحجر المبني على الطراز القديم، ومتّسع لمساحة تناهز الـ 600 متر، ما فتئت تتراكم بالكتب، والجرائد والمجلات، يعود بعض منها إلى الخمسينات، فالتقطها، مدركاً أهميتها...
البناء عقد من الحجر المبني على الطراز القديم، ومتّسع لمساحة تناهز الـ 600 متر، ما فتئت تتراكم بالكتب، والجرائد والمجلات، يعود بعض منها إلى الخمسينات، فالتقطها، مدركاً أهميتها للمستقبل، سروج لا يرمي ورقة مطبوعة، ولا كتاباً قد يكون مهترئاً. معرض "سروج" لدوريات القرن الماضي توثق عصرها منذ أن أسّس الأب ابراهيم سرّوج مكتبته باسم "مكتبة السائح" في طرابلس اللبنانية سنة 1970، وهو يتصفح، يراجع، يبحث، ويفهم التوثيق وأهميته بعمق، لذلك لا يزور القاريء مكتبته بقدر ما يجول في أزقة وممرات ودهاليز بين كتل كتبية تزدحم في مكتبته في البناء التراثي في الشارع المعروف بشارع المكتبات، على مدخل مدينة طرابلس المملوكية القديمة. البناء عقد من الحجر المبني على الطراز القديم، ومتّسع لمساحة تناهز الـ 600 متر، ما فتئت تتراكم بالكتب، والدوريات من جرائد ومجلات، يعود بعض منها إلى الخمسينات من القرن الماضي، وقعت في فخ "الخوري" فالتقطها، مدركاً أهميتها للمستقبل، سروج لا يرمي ورقة مطبوعة، ولا كتاباً قد يكون مهترئاً. والأب سروج ليس رجل دين، منحدر من "مشتى الحلو" في محافظة طرطوس في سوريا، وكاهن ملتزم تعاليم الدين، بل متخصص في اللاهوت وقد نال الدكتوراه من فرنسا، وهو باحث وقاريء ومنقّب في مختلف مجالات الفكر والادب والثقافات والحضارات، ومتفاعل بعمق مع محيطه الإسلامي حيث يعيش، ويعمل، ويتنقّل، لدرجة لم يعد الانسان قادراً على التمييز بين مسيحيته، والإسلام الذي يحفظ الكثير من تقاليده، وآياته القرآنية، والتاريخ الإسلامي بصورة عامة. أحبّ الكتاب والمطالعة منذ نعومة أظافره وأن يعمل سروج في الكتب، فليس ذلك غريباً عليه، وهو الذي أحبّ الكتاب والمطالعة منذ نعومة أظافره، ولطالما تباهى بالقول إن والدته كانت تزوّده ببعض النقود لشراء مونة البيت في طفولته، فكان يشتري بطريق العودة كتباً بما تبقى لديه من نقود. ينظر سروج للثقافة نظرة عالمية، منفتح على مختلف الأفكار والثقافات، لذلك لا تقتصر موجوداته، كتباً ودوريات، على مكان أو زمن معين، فكل مطبوع أو منسوخ له فائدته، وجدواه، لذلك تكتنز المكتبة عوالم وأفكاراً لا تحصر بحدود. المكتبة ضخمة، ودورياتها تناهز الـ 500 عنوان، وكثير منها على عدة أعداد من كل دورية. "سروج" يوثق دوريات القرن الماضي ارتأى مؤخراً أن يعرضها على القرّاء، والمهتمين لعل أحداً يستفيد منها، خصوصاً طلاب الجامعات، ومتابعي الأبحاث في مجالات مختلفة، منها السياسة، والثقافة والفكرو الأدب والفنون والتاريخ والطبيعة وسواها، دون حصر للعناوين. المعرض أقيم في أحد الشقق في حيّ الزهرية الشهير في طرابلس، في طبقة أولى من مبنى تراثيّ استخدمه سرّوج مخزناً للفائض والمضاعف من الكتب والدوريات. كانت الشقة مكاناً مناسباً لإقامة المعرض حيث يمكن توفير عملية النقل، ومسألة التصفيف والتصنيف، فأخرج أكداس دورياته من مكامنها في المخزن، ووزعها في ترتيب تلقائي، عارضاً كتب الأدب مع بعضها، وكل صنف قريباً من الآخر، مكتفياً بترتيب مبسّط، دون أن يراعي تسلسلها التاريخي، وبذلك حفظ مجموعات من دورية معينة مع بعض، مما يسهّل على الباحث الوصول إلى مبتغاه. كتب ومجلات قديمة ولوجاً في المعرض من مدخل الصالة، تطالع الزائر صورة مجسمة للصحافي جبران تويني كغلاف لمجلة "نون"، وقربها "النهار العربي والدولي"، ودوريات أقل شهرة كـ "الناقد" و"الضاد"، و"السياسة الدولية"، وفي زاوية المنصة الأولى مجلة "الطب الطبيعي". في الداخل، صفوف من المكدسات الدورية، منها "الأرز"، و"أصداء المال"، و"الآداب الأجنبية". ثمّة مجلة للتوعية على مخاطر المخدرات، روحيتها مفقودة في الزمن الراهن، يتصدرها عنوان "الأم أقوى سلاح ضد المخدرات". ويلفت عدد الآداب لتموز/يوليو 1970، وفيه أبحاث عن "عبقرية ألدوس هاكسلي"، و"القومية العربية والمشككون" لنازك الملائكة. إضافة إلى قصص وقصائد. "آداب الرافدين"، ومجوعة مجلات أدبية أجنبية بينها Historia، وFemme، ومقدمة للتصميم الداخلي، ثم الفنون وحكايا مشغولة بالرماد ليوسف عبدلكي، ومجلدات ملحقات عدد من جرائد عصرها كالديار، والنهار، وأخبارا لآداب. للفكر المعاصر منصة وفيها أبحاث عن الفكر المعاصر، والسياسة الدولية، وفكر، والقافلة، وفكر وفن، والقدس، والوحدة، والوعي الإسلامي، واليمن الجديد. منصة فكر فيها ملف خاص بالمغرب العربي، ومجلة فكر عن أنطون سعادة واصفةً له بأنه "رجل الرؤية والزمن الآتي”. من المخطوطات الكثيرة في المكتبة، يلفت الأب سروج إلى مخطوطتين لابن نجيم، ومصحف مخطوط، ومجلد من أصل 3 للكولونيل تشارلز تشرشل كتبها عن إقامته في لبنان بين 1840 و 1852. مرآة العصر مجلات ودوريات وسع المدى في الأدب، والسياسة، والفلسفة، والدين، والقانون، والاقتصاد، والاجتماع، ومخطوطات نادرة، لا يمكن سبرها بجولة، تستكمل موضوعات عشرات آلاف الكتب التي جمعها سروج، وبقيت على رفوفه، ولطالما وصف سروج عمله بمكتبة مطالعة وليس مخزناً للبيع والربح، وذلك من ضمن اهتمامه بالكتاب منذ طفولته. يشكل المعرض فضاءً يجد فيه هاوي المطالعة والمعرفة والثقافة العامة، فضاءً ينخطف فيه نحو عوالم حيوية، وأكثر فاعلية على المستوى الفكري بعد أن ضربت التطورات الدراماتيكية في المنطقة آفاق الفكر، والثقافة، وحوّلت الاهتمام نحو ثقافة "الموبايل" المفبركة، وسابقة الإعداد والتحضير والتوجيه، و..التنصت. يرافق الأب سروج الزائر بين أرجاء المعرض، ويشرح ما حفظه من دوريات تراكمت عبر السنين، ويرى فيها إنها مرآة لعصرها، ولأزمنة مضت، كانت الحيوية الثقافية فيها في أوجها، وأحبّ أن يحافظ على تلك الروح بالاحتفاظ بالدوريات، ولا يترك ورقة تذهب هدراً، فكل كلمة لها معنى خاص، وتؤشر إلى حالة خاصة، في زمن معين.
