إقتصاد ومال

أي ثمن لسياسة “سلامة” الليرة اللبنانية مع الحريريّين؟

   في العام 1992 وصل الراحل رفيق الحريري الىالسلطة في لبنان، على جناح أمل بإنقاذ اقتصاده بعدانهيار كبير في سعرالليرة، من خلال سياسة تقوم فيالظاهر على تثبيت سعر الصرف، ولكنها ترمي فيالباطن إلى تحقيق مآرب أخرى. كانت حينها قيمة عملتنا الوطنية تتآكل بسرعة وتأكل معها القدرة الشرائية لفقراء لبنان، وبعض المدخرات التيكان بعضهم يحتفظ بها للأيام السوداء. ولذا دغدغ مجيء الحريري آمال الكثيرين. قلة عارضت السياسة الاقتصادية المرتبطة بمشاريع سياسية للحريري في ذلك الوقت. وأظهرت السنون الطويلة التيمرت حتى الآن، أن هذه القلة كانت على حق. لكنها لم تستطع التأثير كثيرا في ذلك الوقت، بسبب ما كان اللبنانيونيعانونه من آلام. حتى القيادة السورية التي لم تثق بالحريري يوما، لم تستطع مقاومة وصوله الى رئاسة الوزراء بعد ثورة الدواليبالشهيرة في السادس من أيار 1992،  التي أطاحت بالراحل عمر كرامي. منذ ذلك الحين، تم تثبيت الليرة على سعر وسطي قدره 1507.5، لم تتزحزح عنه طوال كل تلك السنوات. بغض النظر عن صحة الاتهام للحريري نفسه بالمضاربة على الليرة لفرض تلك الوقائع السياسية من عدمها، فإن كلفةهذا السياسة، التي يمكن تسميتها سياسة “سلامة” الليرة، نظرا لارتباطها باسم حاكم البنك المركزي رياض سلامة الحليفلكل من رفيق وسعد الحريري، كانت عالية فوق العادة. فعلى أساسها قامت فلسفة احتفاظ البنك المركزي باحتياطي مريح منالعملة الصعبة، مع كلفة تكوين هذا الاحتياطيالتي باتت كبيرة جدا في السنوات الأخيرة، نتيجة رفع الفوائد بنسبة كبيرة لاجتذاب الدولارات، وتوسيع هامش فوائدالودائع بين كل من الليرة والدولار، لثني المودعين صغارا وكبارا عن الإيداع بالعملات الأجنبية الأكثر أمانا، مما يرفع الطلبعليها ويضغط علىالليرة. الاحتياطي مطلوب، وكلما كان اكبر كان أفضل، لكن ربطه باستقرار العملة، وهو أيضا أمر مطلوب، بالفوائد الكبيرة التياعتمدت، هو الخطأ المقصودالذي رفع الكلفة الى هذا الحد. قد يكون تدخّل البنك المركزي في بعض حالات التذبذب الشديد للدفاع عن الليرة، سياسة صحيحة، لكن الاستمرار عليهاطوال تلك السنوات من دون أي تغيير، وحتى من دون إجراء ولو مراجعة واحدة أواختبار واحد لتعويم العملة، هو ما يثيرالشبهة حول تلك السياسة، ويطرح سؤالا عما اذا كان الهدف هو فعلا تثبيت العملة، أم اتاحة الفرصة لأصحابالأموال للاستفادة من المستوى المرتفع للفائدة، لزيادة ثرواتهم، وربما أيضا لتحقيق أهداف سياسية أبعد مدى. فليس كل البلدان التي شهدت عملاتها تذبذبات كبيرة أمام الدولار، قامت بتثبيت سعر الصرف. والمثل الأحدث على ذلكهو تركيا التي خسرت ليرتها الكثير في السنوات القليلة الماضية، ولكنها لم تقم بتثبيت سعر الصرف، وتركت السوقيتفاعل لوحده. حتى انرجب طيب اردوغان تمكن بنسبة عالية جدا من تجنب فخ رفع الفوائد الذي نصحته به وكالاتالتصنيف العالمية التي تعمل في السياسة اكثر مما تعمل في الاقتصاد. يصعب حساب كلفة تثبيت الليرة على الاقتصاداللبناني، أو دوره في تضخيم الدين الحكومي إلى هذاالحد. لكن بالتأكيد،فإن هذا التأثير معتبر. ألم يكن بالأمكان مثلا تثبيت القدرة الشرائية للبنانيين من دون تثبيت العملة، من خلال اعتماد سلم متحرك للأجور فيالقطاعين العام والخاص، ارتباطا بالتضخم، ما يجنّب الخزينة ...