مقالات خاصة

ويل لأمةٍ تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تصنع!

منح حمادة
15 09:27 أيار 2020
ويل لأمةٍ تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تصنع!
 

تعتمد المجتمعات في الحالات الطبيعية على الإنتاج المحلي لتلبية حاجاتها مايساهم في تعزيز الناتج المحلي، فكيف اذا كان هذا المجتمع واقعا في أزمة إقتصادية خانقة سببها الرئيسي عمليات النهب والهدر والإدارة السيئة، وتلاقت هذه الأزمة بجائحة كورونا التي شلّت البلاد بكافة قطاعاته فانتزعت "البحصة التي تسند الجرّة".

منذ سنوات ونحن نناضل في السياسة والمجتمع، وننزل الى الشارع لمخاطبة الرأي العام ولفت الأنظار نحو كوارث اقتصادية واجتماعية قبل حدوثها. ولكن الرأي العام كان منقسماً بين يائسين من أي تغيير أو محاسبة في البلد ومطبلين وأبواق منتفعون طائفياً وقلّة آمنت بالتغيير لو بعد حين، حتى أتت ثورة ١٧ تشرين مع بداية تكشّف الأزمة الإقتصادية والتماسها.

تدحرجت كرة الإنحدار الإقتصادي بسرعة هائلة، وزادت النقمة الشعبية على سلطة سياسية مسيطرة على تفاصيل الحياة اليومية، فوقع الصدام بين سلطة جائرة تعمل بأجندات خارجية ومصالح شخصية ضيّقة و شعب أثقل كاهله الأعباء الحياتية ولكنه إنقسم في تفسيره لسبب الأزمة ولا خارطة طريق للخروج منها.

إن الفساد السياسي والقضائي والأمني أحد أهم اسباب الأزمة في لبنان، ولكن ضرب القطاعات الإنتاجية وتقوية الزبائنية الاستهلاكية ساهم بولادة وتكريس نمط حياة يعتمد على الرفاهية المقنّعة بتسهيلات مصرفية ما أتاح لهذه المصارف بالتحكم بحياة اللبنانيين ومواردهم.

ما المانع من استثمار أي شيء متاح لتلبية حاجاتنا وتقليل مصاريفنا في بلدٍ يستشري الفساد ومأزوم اقتصادياً عبر الإعتماد على الموارد الشخصية لتلبية الحاجات والخروج من "البرستيج" المقيّد لحياتنا والإبتعاد عن الكماليات التي لا حاجة حقيقية لها.

ارتفعت أسعار المواد الإستهلاكية والزراعيّة بشكل جنونيّ بعد إعلان حالة التعبئة العامة والإقفال، فتوجه عدد كبير من المواطنين لإعادة إستثمار أراضيهم في الزراعة لتلبية حاجاتهم من هذه المواد، فازداد الإنتاج الزراعي بشكل كبير وانخفض الطلب الشرائي على هذه المنتجات فعادت الأسعار الى الإنخفاض التدريجي مما ساهم في التخفيف من مصاريف المواطنين وتوفير جزء من مداخيلهم.

أما فيما يخص المنتجات الصناعية فقد إرتفعت الأسعار بشكل جنوني أيضاً نتيجة إرتفاع سعر صرف الدولار بالنسبة لليرة اللبنانية في السوق السوداء، ومعظم هذه المنتجات إمّا مستورة بالكامل أو تصنّع من مواد يكون جزء منها مستورد بسبب إرتفاع كلفة إنتاجها محلياً نظراً لإرتفاع التكاليف إن كتكلفة يد عاملة أو مواد مصنعة أو طاقة تشغيلية للمصانع أو تكاليف مباني وضرائب.

أما في زمن الأزمة فالرواتب ما زالت على حالها بل ومنخفضة جداً مقارنةً بالقدرة الشرائية والمعيشية، وتكاليف المباني والمنشآت ما زالت على حالها، والضرائب أيضاً، حتى التكاليف التشغيلية من طاقة ما زالت على حالها ايضاً، بقي لدينا المواد الأولية المستخدمة في التصنيع وهي إما محليّة، من المفترض أن يبقى سعرها مقبولاً، أو مستوردة ترفع من كلفة الإنتاج جزئياً.

من المفترض في هذه الأزمة الإبتعاد عن الكماليات والبحث عن المنتجات الضرورية المحليّة والتي بدورها من المفترض أن يصبح سعرها مقبولاً إحتساباً على المدخول، رغم بعض المصانع المحليّة الجشعة التي من الواجب مقاطعتها وفضحها للضغط عليها أو محاسبتها قضائياً وشعبياً.

أما بما يخص الخدمات بجميع فروعها، فالأزمة الإقتصادية رمت بآلاف المواطنين خارج أعمالهم وزادت نسبة البطالة وأصبح أكثر من نصف المواطنين اللبنانيين تحت خط الفقر مما ساهم في ضرب الإيغو اللبناني وجعل المواطن يبحث عن لقمة عيش تحفظ له كرامته وتحميه من الجوع والذل، فلم تعد لديه مشكلة في العمل كمدبرة منزليّة أو ناطور مبنى أو عامل نظافة أو مجاري أو نادل في مطعم ضمن قدرته الجسدية والعملية طالما ما يجنيه من دخل يؤمّن له الحد الأدنى من متطلباته.

تساهم العودة إلى مؤسسات الدولة السياسية والإدارية والتربوية ونبذ المؤسسات الطائفية والحزبية الرديفة التي تغذّت على حاجات المواطنين ودعم القطاعات الإنتاجية والخدماتية المحلية في إعادة إنتاج دورة إقتصادية وطنية صحيحة تعيد القيمة للمواطنين والليرة الوطنية.

إن الإعتماد على القدرة الشخصية والإنتاج المحلي والتحلّي بالقناعة والصبر خشبة الخلاص لمجتمع وصل الى الهاوية ليعيد النهوض بنفسه مع الإستمرار في الضغط لمحاسبة سلطة مصاصي دماء اللبنانيين من سياسيين وصانعي قرار وفاسدين في كافة مفاصل الدولة.

المزيد من تصنيف مقالات خاصة