عربي

خارطة الصراع في شرق الفرات: اللاعبون الدوليون والإقليميون

د. أحمد الدرزي
10 12:48 تشرين الأول 2019
خارطة الصراع في شرق الفرات: اللاعبون الدوليون والإقليميون

 

بإعلان تركيا عن اكتمال الاستعدادات للعملية العسكرية في شمال سوريا، غداة حصولها على ضوء أخضر أميركي، تتأكد مجدداً حقيقة أن منطقة شرق الفرات ستكون الميدان الأخير لتحديد المشهد الإقليمي والدولي، ففيها تتداخل العوامل الأميركية والروسية والتركية والإيرانية، وقد أضيف إليها أخيراً العامل الإسرائيلي، ما يرفع مستوى المخاطر على وجود الدولة السورية، وينذر بتصعيد في المواجهة الإقليمية والدولية على الأرض السورية.

يشكل الكرد المتوزعون بين تركيا وسوريا والعراق  وإيران كتلة سكانية كبيرة قد تصل من حيث التعداد السكاني لحدود الأربعين مليون نسمة، حيث تتركز الكثافة السكانية العالية في مناطق متصلة جغرافيا مع بعضها البعض، إذ تتموضع  في كل من جنوب شرق تركيا وشمال شرق سوريا وشمال العراق وشمال غرب إيران، ما يمنحهم موقعاً جيوسياسياً عالي الحساسية، يستطيع أن يؤثر على إقليم غرب آسيا بأكمله، وقد استطاعوا أن ينجزوا خطوة كبيرة في سبيل تحقيق رؤيتهم القومية بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وأنشأوا كياناً شبه مستقل ضمن الدولة العراقية، مستفيدين من الحماية الأميركية في البقاء والاستمرار حتى هذه اللحظة.

مع اندلاع الحرب في سوريا، تمكن الكرد السوريون، وخاصةً وحدات حماية الشعب الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الوجه السوري لحزب العمال الكردستاني، من استثمار الفراغ الذي حصل في شمال سوريا بفعل انسحاب القوى العسكرية السورية النظامية منها، والذي ترافق مع دعم عسكري كبير من دمشق بالسلاح منذ بدايات الحرب، وأن يسيطروا على مساحات واسعة من الشمال السوري.

تحول المشهد في الشمال السوري مع نهاية عام 2014 بعد تهديدات تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) بتقطيع مناطق التواصل الكردي باجتياح منطقة عين العرب - كوباني، والذي أوجد الذريعة المثلى للدخول الأميركي من باب جديد إلى المعادلات الإقليمية، وبشكل مباشر، وبدعم عسكري جوي لوحدات حماية الشعب، ما أتاح لها استعادة السيطرة على كل المناطق التي خسرتها، والتمدد إلى مناطق في غرب الفرات، وأتبع ذلك دخول قوات أميركية وبناء ثلاث عشرة قاعدة عسكرية متفاوتة الأحجام، أدت إلى تمدد الوجود الأميركي نحو الجنوب في سباق مع الزمن نتيجة التحولات الدولية  الكبيرة  والمتسارعة لغير صالحهم، ليصل إلى كامل منطقة شرق الفرات. 

ومع الدخول الأميركي المباشر، تحولت أزمة منطقة شرق الفرات وبقية المناطق الخاضعة لقوات التحالف الدولي إلى منطقة صراع دولي وإقليمي ومحلي كبير، اختزلت بها مسألة الصراع على سوريا بعد تحرير دمشق وحلفائها  لمناطق واسعة تصل إلى الحدود العراقية، وهي تعتبر الآن الميدان الأخير لتحديد المشهد الإقليمي والدولي، وأكثر ما تتداخل فيه العوامل الأميركية والروسية والتركية والإيرانية، وقد أضيف إليها أخيراً العامل الإسرائيلي، مما يرفع من سوية المخاطر على وجود الدولة السورية كقوة إقليمية ذات دور فاعل ويهدد نجاحات محور طهران- دمشق في وصل المناطق الممتدة من أفغانستان إلى البحر الأبيض المتوسط، خاصةً وأنّ هذه المنطقة ستبقى سيفاً مصلتاً على هذا الوصل، يتحول شيئاً فشيئاً إلى مشروع استثماري بعيد المدى، وسيبقي في إثره التدخل الأميركي- الإسرائيلي ممتداً إلى زمن طويل إذا لم تتغير فيه معادلات القوة لصالح القوى الصاعدة.

 

القوى الدولية الفاعلة

 

1- الفاعل الأميركي، حيث تعتبر الولايات المتحدة هذه المنطقة بمثابة منصّة استراتيجية جديدة تطل منها على مستقبل النظام الدولي، فهي تتيح تحقيق جملة من المكاسب في المواجهة القائمة مع ثلاثة مشاريع متداخلة ومتقاطعة، أولها "المشروع الأوراسي" الذي ينظر إلى كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا كمكونات أساسية للربط بين البحر الأبيض المتوسط والخليج الفارسي والمحيط الهندي، ويليه "المشروع الصيني" الساعي لإحياء طريق الحرير وصولاً إلى  أوروبا، سعياً وراء إعادة دورها على غرار ما كان في  العالم القديم حيث تكون فيه الصين مركز الاقتصاد العالمي، والذي لا يمكنه النجاح إذا لم يتوفر الاستقرار في هذه الدول الأربع. أما ثالث المشاريع، فهو مشروع "طهران –دمشق" الذي يعمل على تثبيت إنجازاته، والربط بين أفغانستان وكامل المناطق الممتدة إلى البحر الأبيض المتوسط، ويشكل امتدادً عملياً لطريق الحرير الصيني.

ولا يوجد خير من الكرد ككتلة شعبية كبيرة يمكن الاعتماد عليها، لمنع المشاريع الثلاثة من النجاح، إذ تعتبر  هذه الكتلة الشعبية جزءاً أصيلاً  من نسيج المنطقة.  وإذا ما استطاعت  الولايات المتحدة أن تستحوذ على القرار الكردي، فإن ذلك سيقوّض المشاريع الثلاثة بحكم التموضع الجغرافي لهم، وبما يتيح دوراً جيو- سياسياً كبيراً . ولا يجوز إغفال أن أحد العناصر المحددة هو حسم الصراع الداخلي مستقبلا بين ترامب ورؤيته(تحظى بدعم أغلبية الناخبين الأميركيين)  وبين ما تعرف بدولة الأمن القومي في الولايات المتحدة التي تتشبث بالوجود الأميركي في المنطقة ومن ضمنها شرق الفرات، وهذه "الدولة" حالت دون تنفيذ ترامب قراره بالإنسحاب أكثر من مرة.

2- الفاعل الروسي، الذي أسس لمجموعة منطلقات و بتصورات جديدة تعوّض عن انهيار الاتحاد السوفياتي، وبناء منظومة دولية جديدة، تعتمد على علاقات التعاون كبديل لسياسة الهيمنة، وتشكل فيه روسيا قلب هذا العالم الجديد القديم، ولذلك فإن سياساتها تعتمد على إزاحة الولايات المتحدة من كل المناطق التي تعتبرها مجالاً حيوياً لها، والحلول مكانها في إدارتها. وتعتبر منطقة غرب آسيا أهم مجال حيوي لها، وخاصةً مربّع تركيا وإيران وسوريا والعراق، ولذلك، فإنها تتعامل مع ملف شرق الفرات بما ينسجم ومصالحها مع هذه الدول كأولوية قصوى، وخاصةً تركيا التي تسعى جاهدةً لاستقطابها وإخراجها من حلف الناتو، وبالدرجة الثانية لمصالحها مع سوريا وإيران. قد تتبدل هذه المصالح بين الفينة والأخرى تبعاً لطبيعة التعاطي الأميركي وأثره على الفاعل التركي. ومن الجلي أن روسيا تريد أن تتحول إلى نقطة التقاطع بين جميع العناصر المكونة للمنطقة حيث تسعى لاقامة توتزن بين جميع الأطراف المتصارعة بما يؤهلها لادارتها، كبديل للإدارة الأميركية التي تتحالف مع فريق وتعادي الآخر.

3- الفاعل الصيني، وهو لا يتواجد بشكل مباشر في هذه المنطقة، ولكنه معني بما يحدث، وهو المستهدف الأول من التواجد الأميركي في شرق الفرات، إذ لا يمكن لمشروع طريق الحرير أن يرى النور إذا ما استطاع الأميركيون تنفيذ خطتهم في شرق الفرات، فهم يدركون جيداً بأن مسار هذا الطريق سيمر بالضرورة من شمال غرب إيران وجنوب شرق تركيا، وبمعنى آخر من قلب الكثافة السكانية للكرد في الدول الأربع. وفي حال تم تغيير المسار ليمر من سوريا، فإنه سيكون تحت مرمى تهديدات الولايات المتحدة المباشرة على جانبي الطريق الذي يمر بين قاعدة التنف على مثلث الحدود السورية العراقية الأردنية وبين منطقة شرق البوكمال، ولذلك فإن هذا الفاعل يضع كامل ثقله من خلف الفاعل الإيراني، وبالتحالف مع روسيا.

سيبقى أثر التدخل الأميركي- الإسرائيلي في شرق الفرات ممتداً إلى زمن طويل إذا لم تتغير معادلات القوة لصالح القوى الصاعدة

 

القوى الفاعلة الإقليمية

 

1- الفاعل التركي، وهو فاعل إقليمي مرتبط أساساً بالكينونة التاريخية لهضبة الأناضول، والتي لا يمكن أن تحقق ذاتها إلا بالتمدد جنوباً،  حيث تعتبر المنطقة الشمالية من سوريا بمثابة البوابة الجنوبية للسيطرة عليها وكذلك على جزء من العراق، ما يتيح لها تصدر المشهد الإقليمي، وفرض خياراتها السياسية داخل سوريا بشكل أساسي، ويتيح لها تحقيق حلمها التاريخي بعودة نفوذها إلى كامل المنطقة الممتدة حتى شمال إفريقيا والبحر الأحمر والخليج الفارسي، بما يتناقض مع "مشروع طهران- دمشق"، حيث يجعل منها اللاعب الأساسي في تحديد خيارات قارة آسيا بتحولها لمركز تقاطع كل المشاريع، سواء تلك التي تتقاطع مصالحها أم تتصارع، بغية تصدر زعامة العالم الإسلامي. وفي ذات الوقت الذي تتعاطى مع ملف شرق الفرات كفرصة تاريخية لا تعوض، فإنها تتعاطى مع هذا الملف كتهديد وجودي لها، حيث تعتبر أن نجاح الولايات المتحدة باحتواء كرد سوريا مقدمة لاحتواء كرد تركيا، وخاصةً أنهم يمتلكون معطيات كبيرة عن السياسات الأميركية المتبعة لاحتواء حزب العمال الكردستاني، ووجهه السياسي المتمثل بحزب الشعوب الديمقراطي، لذلك، فإنها تتعامل مع مسألة منطقة شرق الفرات كمسألة وجودية، ذلك أن كسبها  لها يمنحها الفرصة للتمدد في حين أن خسارتها قد يؤدي لتفكيكها.

2- الفاعل الإيراني، وهو فاعل له خصوصية ترتكز على مفاعيل أساسية متجذرة في عمق تاريخ دور الهضبة الإيرانية في مجمل التحولات السياسية عبر تاريخ المنطقة، وهو يسعى لتحقيق أمنه القومي بمد نفوذه إلى البحر الأبيض المتوسط، إدراكاً منه لمسألة أن وجوده القومي المتنوع معرّض للتهديد، وخاصةً بعدما أخذ توجهاً استقلالياً معادياً للهيمنة الغربية، وهو يعتبر منطقة شرق الفرات تهديداً له على مستويين:

المستوى الأول: الخشية من نجاح واشنطن في استقطاب الكرد، وتشكيل كيانية خاصة بهم تتصل مع الكرد في إيران، وهذا هاجس إيراني تاريخي لناحية الخوف من مفعول "الدومينو" لأي تقسيم وإقامة كيان قومي سترتد تداعياته على كل دول الإقليم وبينها إيران.

المستوى الثاني: التهديدات المحتملة من قبل هذا الكيان المتشكل، كأن تدفع مثل هذه الكيانية وبدعم من واشنطن لقطع الطريق على إيران عبر السيطرة على كامل الحدود العراقية، وما يترتب على هذا الأمر من إيقاف المشروع الصيني وعماده إيران في غرب آسيا.

3- الفاعل الإسرائيلي، وهو فاعل يرتبط دوره في منطقة شرق الفرت بشكل جوهري بسبب إدراكه للتراجع الكبير للدور الوظيفي لإسرائيل اليوم  كامتداد لمشروع الهيمنة الغربي، وخاصةً بعد هزيمتها في حرب تموز 2006 وما تلاها من حروب في غزة، وصعود قوى إقليمية تهدد الدور المناط بها، وهي تسعى  بشتى الوسائل لكبح جماح صعود هذه القوى سواء كانت إيران أو تركيا، أو احتمال اجتماع العراق وسوريا، وهي لن تجد فرصة لتجديد نفسها خيراً من إقامة شراكة مع الكرد السوريين إذا ما استطاعت ذلك عبر استغلال  فكرة "احتياج" الكرد لدعم واشنطن لهم لإشغال دول وشعوب غرب آسيا بصراعات لا تنتهي، وبما يجعلها تستعيد دورها المرتبط ببقاء كيانها الوظيفي.

4- الفاعل السعودي، ويمكن توصيفه على أنه عامل فاعل طارئ في المنطقة، يرتبط أساساً بموقع السعودية في دائرة القطب الأميركي، وقلقها العميق من المشروع التركي الذي يهدد نظامها السياسي على مستوى الداخل السعودي، وإحلال بديل إسلامي مقبول دولياً ليشكل امتدادً لأنقرة، كما يهددها بسلبها زعامة العالم الإسلامي. بالإضافة إلى ذلك، فإن قلقها من المشروع الإيراني، لا يقل عن مستوى القلق من المشروع التركي وخاصةً بعد نجاحات طهران المتتالية مع دمشق وموسكو  في الحرب السورية، وإطباق الحوثيين والجيش اليمني عليها من الجنوب، وتقلص نفوذها في العراق، وهذا ما دفعها لمواجهة تركيا وإيران في منطقة شرق الفرات، من خلال تقديم الدعم المالي للكرد وتأمين الحاضنة العربية العشائرية الطابع حتى لا تنقلب على الكرد.

 

مشهد الصراع شديد التعقيد، ولا يمكن التنبؤ  بنتائجه النهائية، ولكن ثمة معطيات تؤكد أن اميركا والقوى المرتبطة بها في حالة انكفاء أمام صعود المشاريع الآسيوية الثلاثة.

 

القوى الفاعلة المحلية

 

1-  الفاعل السوري، ويمكن القول أنه الفاعل الأساس في كل المشهد المعقد في منطقة شرق الفرات، وخاصةً أن دمشق تعاطت مع هذه المناطق أثناء الاحتلال الفرنسي، وبعد الاستقلال، باعتبارها منطقة نائية ونامية، ومع ذلك لم تنل ما تستحق من اهتمام، برغم  أهميتها الاستراتيجية كسلة غذائية لسوريا، ومصدراً أساسياً لحوامل الطاقة، ما ترك جراحاً عميقة في نفوس قاطني تلك المناطق. ومما زاد من تعقيد المشهد منذ ذاك الزمن وحتى الآن، هو غياب رؤية استراتيجية لمستقبل سوريا على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ما انعكس سلباً على كيفية تعامل مؤسسات الدولة السورية مع هذا الملف السيادي. ولكن بالرغم من تقلص تأثيرها على مجمل الشرائح الاجتماعية في المنطقة، فإن الدولة السورية ما تزال تمتلك الورقة الأقوى في التأثير المستقبلي بحكم امتلاكها للشرعية الدولية والقانونية، وتصلبها الشديد حيال أي حل سياسي لا يثبت دور دمشق المركزي، ولسيادتها وقرارها المستقل.  ويساعدها في ذلك ارتفاع مستوى الشكوك في إمكانية تحقيق كيانية سياسية خاصة على المستوى الشعبي في المنطقة.

2-الفاعل الكردي، وهو العنصر الأساس الذي تعول عليه كل المشاريع المتصارعة. وأهمية هذا الفاعل  تنطلق من الشعور بالمظلومية جراء تقسيم المنطقة لمجموعة من الدول، واستبعاد الكرد من إقامة دولة قومية خاصة بهم أسوة ببقية الدول الأربع التي يتوزعون بها، ما أهبّهم للتعامل مع كل المشاريع الغربية في المنطقة بعد فشل المراهنات السابقة على الاتحاد السوفياتي، ومن بعده روسيا، وهم يتعاطون السياسة المحلية والإقليمية والدولية ببرغماتية لتحصيل أكبر قدر من الحقوق، بالرغم من إدراكهم لحجم المخاطر المترتبة على ذلك، والتي قد تنعكس عليهم سلباً جراء حسابات سياسية وعسكرية قد تكون خاطئة.  وتستند هذه البراغماتية على مدى القلق العميق للغرب من التحولات الدولية المتسارعة لغير صالحه، وذلك بالسعي لتأمين احتياجاته ومصالحه لبقاء سيطرته، وحرصه على إفشال كل مشاريع قارة آسيا، وما يمكن أن يقدمه الكرد لهم من إمكانية استمرار الصراعات على مستوى سوريا والعراق وإيران وتركيا.

 لا شك أن مشهد الصراع شديد التعقيد، وهو يحمل متغيرات دائمة لا يمكن التنبؤ بطبيعة النتائج النهائية له بشكل دقيق، وإن كانت هناك معطيات تؤكد أن الولايات المتحدة والقوى المرتبطة بها هي في حالة انكفاء، لصالح صعود المشاريع الآسيوية الثلاثة، وأن كرد سوريا يمكنهم أن يلعبوا دوراً إيجابياً مؤثراً إذا ما استطاعوا الانفكاك عن السياسات الأميركية، وتبنوا الخيارات الآسيوية، وضمن نظام إقليمي جديد، يتيح لشعوب غرب آسيا النهوض سويةً ولصالح الجميع.


 نشر المقال بتاريخ 

08-10-2019

المزيد من تصنيف عربي