منوعات

لصوص ولكن ثوّار: لماذا يحب الناس روبن هود وأدهم الشرقاوي؟

عربي بوست
13 08:24 أيلول 2019
لصوص ولكن ثوّار: لماذا يحب الناس روبن هود وأدهم الشرقاوي؟

 

لا شك أن هواة السينما المصرية سيتذكرون عند قراءة هذا العنوان الفيلم الشهير لأحمد مظهر وعادل إمام «لصوص ولكن ظرفاء». أخرج إبراهيم لطفي هذا الفيلم عام 1968، كفيلم كوميدي خفيف يستخدم تيمة «اللص خفيف الظل» التي ذاعت منذ مطلع القرن العشرين في أعمال فنية وأدبية عديدة يمكن تتبع جذورها إلى شخصية اللص الأشهر «أرسين لوبين» التي أبدعها المؤلف الفرنسي موريس لوبلان. كان الهدف من تلك التيمة أنسنة صورة اللص عبر إظهاره خفيف الظل عوض أن يكون متشنجاً أو متعجرفاً، فاللص في الأعمال الكلاسيكية لا يبدو كإنسان وإنما هو كائن شرير منزوع الرحمة حتى أن الأعمال الفنية قدمت اللصوص عبر شخصيات قبيحة وأطلقت على شخصيات اللصوص أسماء غريبة.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وصل تأثير الداروينية إلى علم الجريمة على يد الإيطالي شيزار لومبروسو الذي رأى أن المجرمين كاللصوص هم نتاج فشل عملية التحسين التشريحي التي جرت وفق نظرية التطور على بنية القردة العليا وبعض الأجناس الإنسانية المبكرة وصولاً إلى الإنسان العاقل الحديث. فالمجرم يولد مجرماً ولجمجمته مقاسات محددة، كما أن جمجمته تكون غير متناسقة، ويمتاز بفكه البارز وبصره الحاد، وبالطبع، بضعف حسه الأخلاقي وقسوته المفرطة. هناك بالطبع مجرمون آخرون لا يولدون كذلك، لكن لومبروسو رأى مع ذلك أن هؤلاء يحملون بلا شك استعداداً وراثياً لذلك. لا تضحك إذا عرفت أن لومبروسو عمل مع الجيش الإيطالي في قسم التجنيد لاستبعاد المجندين الذين يرى لومبروسو وفق نظريته أنهم يحملون الخصائص اللصوصية.

لا يمكن أن نعرف بالضبط إذا ما كان الخيال الأدبي الذي مثّل اللص ككائن شرير بالخلقة هو الذي غذى الخيال العلمي الذي أنتج نظريات من نوع نظرية لومبروسو، أم أن العلم هو الذي غذى الخيال الفني، لكن ما حصل أخيراً أن أجيالاً من الفنانين والأدباء كان عليهم أن يعملوا بجد، بالتوازي مع الجهود العلمية، لمحو تلك الضلالات، وصولاً إلى رائعة بحجم «العراب» التي لم تؤنسن المجرم فحسب، بل دفعتنا إلى التعاطف معه، ولكن كان علينا أن نأخذ خطوة أبعد من أنسنة اللص، والتعاطف مع الظروف التي دفعته إلى ذلك، إلى إضفاء هالة البطولة عليه.

في محاضرته عن العنف عام 1920، يتأمل الناقد الألماني فالتر بنيامين ظاهرة الإعجاب الجماهيري باللص. لماذا يظهر اللص أحياناً في نظر الجماهير كبطل يثير إعجاباً صامتاً رغم شجب أعماله؟ يرى بنيامين أن الإعجاب الجماهيري يتجه إلى عنف اللص أو المجرم لا إلى سرقاته أو جرائمه، لأن ممارسة اللص للعن تمثل تحدياً للمنظومة القانونية القائمة وما تعبر عنه من سلطة ومن علاقات قوة تحكم المجتمع. وعندما يتجه القانون إلى عقاب ذلك اللص، فإنه لا يتوخى زجره عن تكرار جريمته فحسب، بل التنكيل به لزجره والآخرين عن منازعة السلطة في استخدام العنف وتحدي المنظومة القانونية القائمة.

مقاومة التطبيع

عرف تاريخ الأساطير الشعبية عدداً من اللصوص الذين انتقل تحديهم إلى القانون من منتج هامشي لسلوكهم إلى وعي بالدور الاجتماعي الذي يقومون به. تعد أسطورة روبين هود، لص القرون الوسطى البريطاني التي تروي أنه كان يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء، واحدة من أقدم تلك الأساطير، وتمثل قصص علي الزيبق وأدهم الشرقاوي، وهي شخصيات حقيقية على خلاف شخصية اللص البطل الإنجليزي، معادلات عربية واقعية للأسطورة الإنجليزية. مثلت تلك الأساطير مادة خام لعدد من الأعمال الفنية المتفاوتة، غير أن تلك الأعمال حرصت في أغلبها على استيعاب الطاقة الثورية الانفجارية التي تحملها تلك الأساطير ضمن سردية وطنية تجعل عنف هؤلاء اللصوص موجهاً، لا ضد السلطة المحلية، وإنما ضد الآخر الأجنبي، حيث تحول هود إلى أحد أبطال الحروب الصليبية، والزيبق إلى ممثل مبكر للوطنية المصرية الثائرة ضد المماليك والعثمانيين، وأدهم الشرقاوي إلى ثائر ضد الإنجليز.

كما تم تطبيع تلك الشخصيات بشكل مفرط بحيث يتم تنزيهها عن ارتكاب أي جرائم فعلية، فالبطل الشعبي يمارس ألاعيبه من منطلقات محض وطنية ونقية. يُقدّم أدهم الشرقاوي كفلاح متعلم من أصول ثرية تم سجنه دون أن يرتكب أي جرائم فعلية. كذلك فإن روبن هود يظهر أقرب ما يكون إلى أمير ثائر منه إلى لص فعلي يحمل وعياً شعبياً مختلفاً وثورياً.

تمثل شخصية جون ديلينجر، لص البنوك الأمريكي الشهير، استثناء في مقاومة التطبيع. عاش جون ديلينجر شبابه في الولايات المتحدة إبان العشرينيات والثلاثينيات، ومع اندلاع الأزمة الاقتصادية، قرر ديلينجر تكوين عصابة خاصة لسرقة البنوك، حيث وصل عدد البنوك التي سرقها نحو 24 بنكاً.

يعبر ديلينجر، كأحسن ما يكون، عن شخصية «اللص الثائر»، فهو أولاً لا ينكر كونه لصاً وإنما يبرر بوعي اقتصادي خالص، فهو لا يطرح مبررات سياسية لسلوكه، ولا تدخل السياسة حيز وعيه، وإنما هو ينطلق من أن سرقة البنوك هي وسيلته لكسب العيش التي لا تختلف عن أي مهنة أخرى. يلجأ ديلينجر هنا إلى القانون الطبيعي ليبرر ما يفعله ببساطة، إن غايتي هي كسب العيش، وهو ما لم يتوفر لي إلا عبر سرقة البنوك، لذلك لا بد أن تكون تلك وسيلة مشروعة طالما أن غايتها عادلة.

جون ديلينجر

في ارتكاسه إلى القانون الطبيعي، يرفض ديلينجر المنظومة القانونية الوضعية القائمة التي تجعل امتلاك أقلية لتلك الأرصدة والأموال في البنوك مشروعاً ولا تنظر إلى مدى عدالة ذلك، وهو متسق مع تلك الأخلاق الطبيعية، فلم يسجل ضده أي اتهام بالقتل سوى مرة واحدة أثناء محاولته الهرب من هجوم من قبل الأمن، لأن القتل لا يمكن تبريره طبيعياً بخلاف سرقة تلك البنوك.

الثورة والجريمة السياسية

لم يكن ديلينجر يملك أي وعي سياسي حول علاقات القوة والسلطة التي سمحت بغياب العدالة الطبيعية على هذا النحو الذي يجعله بلا عمل وبحاجة للسرقة من أجل العيش، بينما يملك بضعة أشخاص أموالاً طائلة في البنوك، كفيلة بحل أزمة الكساد التي عصفت بالبلد. رغم غياب أي إشارة سياسية في خطاب ديلينجر، تصفه الحكومة الأمريكية بأنه «عدو الشعب رقم 1″، في اعتراف ضمني بأنها ترى الصراع معه لا بوصفه مطاردة كلاسيكية بين الشرطي واللص، وإنما تراه صراعاً وجودياً مع خصم يهدد المنظومة القائمة برمتها. وفي الأخير، يقرر مكتب التحقيقات الذي سيصير لاحقاً مكتب التحقيقات الفيدرالي تصفية ديلينجر في كمين عوضاً عن القبض عليه وتقديمه للعدالة، لتبرز الطبيعة السياسية للمعركة مع ديلينجر.

يمكن تعريف الثورة ضمنياً بوصفها تحدي القانون ومحاولة تقويضه، فما يميز الفعل الثوري عن سائر الأفعال السياسية هو بالأساس أن الفعل الثوري لا يتوخى الالتزام بالقانون القائم، بل يتوخى تقويضه ونقض أسسه في سبيل تأسيس قانون آخر محله. وعلى الرغم من أن المنظرة السياسية حنّا أرندت ترى العنف نقيضاً للسياسة، لأن السياسة هي بالأساس فعل يعلن عن غاياته الأخلاقية عبر الكلام، فإن العنف عندما يعبر عن ذاته، عندما يعي دوره يمسي هو أيضاً فعلاً سياسياً. بهذا المعنى، تمثل كل جريمة ثورة محتملة تحتاج فحسب إلى الإعلان عن نفسها، أن تعي دورها في تقويض القانون القائم، ومنازعة السلطة في حق استخدام العنف.

لكن لكي تعبر الجريمة عن غايات سياسية فإنها يجب أن تظل ملتزمة بالقانون الطبيعي، بحيث لا تتوخى إيذاء الآخرين، وإنما تتوخى إصلاح الإخلال الحاصل بالعدالة والذي يتعامى عنه القانون. لذلك تتحرك الثورة والجريمة السياسية كلتاهما في إطار القانون الطبيعي. يبقى مع ذلك التمايز قائماً بين الثورة والجريمة السياسية، فبينما تملك الثورة وعياً سياسياً يتمثل في شكل النظام الذي تحلم بتأسيسه، فإن الجريمة السياسية تتحرك فحسب في إطار الوعي الاقتصادي برفض غياب العدالة في توزيع الثروة القائم. تبدو الجريمة السياسية أكثر نجاعة في إيلام النظام القائم وتحقيق عدالة ناجزة، لكنها تظل قاصرة عن إحداث التغيير الذي يحلم به الفعل الثوري.

 

المزيد من تصنيف منوعات