محليات لبنانية

مخطط توجيهي لسكك الحديد: هل يسمع لبنان صفارته مجدّداً؟

النهار
03 06:41 أيلول 2019
مخطط توجيهي لسكك الحديد: هل يسمع لبنان صفارته مجدّداً؟

 

المخطط التوجيهي للسكك الحديد الذي تبنته جمعية "تران – تران"، ووضع تصميمه مهندسان متطوعان فيها، يبعث الأمل في إحياء حركة اقتصادية، واجتماعية ناشطة شهدها لبنان بين عامي 1895، سنة تأسيس أول محطة للقطار في مار مخائيل في بيروت، وسنة 1975، سنة اندلاع الحرب الأهلية التي توقف القطار فيها عن الحركة.

والمخطط الذي يعتبر مسودة أولى للقطار، وسككه، لا يختلف اثنان على أهميته، ذلك إن طُبّق كما قدمته الجمعية، أم بتعديلات يرتئيها آخرون، ويبقى للدولة اللبنانية، وبالتحديد للوزارة المعنية بالموضوع الوصول بالمخطط إلى خواتيم مفيدة، إن اشتغل على اساسها، أحيا الروح بقطاع بعث الحياة في لبنان.

محطة رياق.

وتشير وثائق جمعية "تران – تران"، إلى الدور الكبير الذي حققته السكك الحديد في تطور المدن، فقد كان عدد سكان بيروت ستة آلاف نسمة فقط سنة 1800، وزاد عشرة أضعاف، وأصبح 60 الف نسمة بين 1860- عام الأحداث الدموية الشهيرة- و1870. وفي أوائل 1900، ومع وجود القطار، والبنية التحتية للنقل المشترك، زاد عدد سكان بيروت إلى 145 الف نسمة، لتحتل التصنيف الأول بالنسبة للعثمانيين".

تدل الأرقام على الأهمية التي يمكن أن يضطلع بها القطار في تحريك العجلة الاقتصادية، والنمو على صعد مختلفة، ومنها النمو السكاني.

ويوضح رئيس الجمعية كارلوس نفاع أهمية السكك الحديد، والقطار، وذلك في عرض قدمه في احتفالية إطلاق المخطط، التي استضافتها غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس برعاية وزير النقل يوسف فنيانوس، أهمية المخطط التوجيهي خصوصاً أنه ينطلق من المفاهيم العلمية للـ"لامركزية الاقتصادية والإدارية التي تتيح أن تنقذ لبنان من المركزية التي اضحت مرضية، وقاتلة للاقتصاد، ومحفزة للهجرة، وتنقذ العاصمة بيروت وضواحيها من زحف الإسمنت العشوائي، ومن الاحتباس المروري بحيث تحتضن يوميا ما يقارب المليون سيارة يختنق فيها المواطنون يوميا لساعات تقدر قيمتها الاقتصادية بمليار دولار سنوياً، بحسب نفاع.

بقايا القطار.

 

من جانب آخر، تحدث نفاع عن أهمية المخطط وهو أنه "يربط مطار بيروت، والقليعات، ورياق، والموانئ البحرية كافة بشبكة قطارات عصرية تعطي للاقتصاد فرصة جدية للنهوض، والجهوزية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، والعراق، وتساهم، وتستفيد من ازدهار الخليج العربي".

إشارة إلى أن المخطط وضعه مهندسون، ومهندسات متطوعون من جمعية "تران - تران" يرأسهم المخطط المعماري المهندس الياس أبو مراد، والمهندسة المدنية جوانا ملكون.

المخطط

انقسم المخطط على عدة مستويات، وفق تصميم أعده مهندسو الجمعية، ويظهر التصميم أن المستوى الأول يتضمن خط القطارات السريعة وفيه: خط الساحل السريع، وخط بيروت - بعلبك، وخط طرابلس- بعلبك، وخطوط قطارات دولية. المستوى الثاني، قطارات محلية، ويتضمن خطوط: بيروت- طبرجا، ذوق مصبح -شكا، شكا- طرابلس- عكار، بيروت- صيدا، صيدا- صور- الناقورة، صيدا- النبطية- جب جنين، وقطار البقاع. المستوى الثالث، قطار أثري وهو خط بعبدا – جديتا - شتورة. والمستوى الرابع، متحف سكك الحديد في رياق.

جزء من المخطط.

 

تاريخ القطار

يثير العرض أهمية التذكير بتاريخ وتطورات القطار في لبنان، فالمبادرة بدأت في الشرق من لبنان بمشروع على يد يوسف أفندي بيهم، واشترت شركة فرنسية حق الاستثمار سنة 1890، وأكملت المشروع.

وصل خط بيروت بدمشق، المدينتين اللتين أصبحتا عاصمتين لاحقاً، بطول 137 كلم، وبدأ العمل سنة 1891، وانتهى سنة 1895 فانطلق القطار لأول مرة، عرض سكته 105 سنتمترات، واعتمد هذا القياس لأنه يعبر الجبال شديدة الانحدار، كطريق ضهر البيدر، وعليه أربعة أنفاق، ويصعد إلى ارتفاع 1520 مترا عند أعلى نقطة في ضهر البيدر، وكان عليه 27 محطة، وترافق مع ثلاثة معامل متعلقة بشؤون القطار، أكبرها كان معمل رياق الذي خصصه المخطط ليكون متحفا.

بين سنة 1902 و1906، وصل الخط إلى رياق ومنها إلى حلب، وهكذا وصلت حلب ببيروت ودمشق، وصار بالامكان زيارة المدن الثلاث بيروت ودمشق وحلب بيوم واحد.

فوهة احد انفاق القطار وبدت سكّته مغطّاة بالحشائش.

 

وتتحدث مصادر الجمعية عن تطور القرى والبلدات التي مر القطار بها، أو بقربها، وسرعة تطورها من قرى بدائية إلى بلدات ومدن، منها رياق وبحمدون وعاليه وصوفر.

وتعتبر رياق أهم نموذج يقدم لما يمكن لخط الحديد أن يفعله، فرياق لم يكن أحد يعرف بها، وكانت تتكون من بيتين يعملان على دود القز، فتحولت في اقل من خمس عشرة سنة إلى مدينة كبيرة عام 1914، وفيها مطار، وأول سينما في لبنان، وأول كهرباء بفضل خط الحديد، وكان فيها 3500 عامل لتصليح القطارات، و18 مبنى للقطار.

تطورات القطار بلغت حدّاً متقدما عندما أصبح بالامكان الوصول إلى باريس بواسطة القطار، (خط الشرق السريع) حيث تشير لذلك لافتة مرتفعة في محطة طرابلس المهجورة، وما بين الحربين العالميتين، أصبح 30 قطاراً يصل إلى بيروت وطرابلس يوميا، و 40 قطاراً إلى رياق لأنها نقطة التقاء بين المدن، والعمل المتسارع فيها أوجد سوقا كبيرة هو سوق رياق التجاري الذي قضت الحرب عليه.

مهندسان من جمعية "تران تران".

 

تواريخ هامة أخرى: 1941 وصل خط طرابلس بحيفا، ومنها إلى أفريقيا، و1946 اشترت الدولة اللبنانية الخط، وسنة 1948، فجرت منظمة أطلقت على نفسها "منظمة المقاومة اليهودية" الخط الذي وصل أوروبا بأفريقيا بآىسيا، وانقطع التواصل بين هذه القارات، ولم يعمل الخط إلا لست سنوات.

أوائل السبعينات، اضطرت الدولة إلى توقيف الخط بسبب خسارة تشغيله، وتفاقم خسارته مع تطور السيارات، وفي الحرب الأهلية، أصبحت محطات السكك الحديد مقرات للميليشيات والجيوش، فتوقفت وتخربت ونزعت أقساماً واسعة من السكك، وبيعت كخردة.

استثناء طرابلس

في بداية تطورات القطار، استثنى الفرنسيون مدينة طرابلس من نعيم سكة الحديد، فانبرى الطرابلسيون وأنشأوا شركة خاصة مساهمة من أبناء المدينة، وقد اكتتبت بلديتا طرابلس والميناء في الشركة عن باقي أبناء المدينة الذين لم يستطيعوا المساهمة من جيوبهم، فكانت المحطة ملكاً لكل أبناء المدينة، وليس للمتمكنين مادياً منها فقط، وقد تراوح الاكتتاب بين الليرة الذهب والخمسة آلاف ليرة ذهب، فنشأت محطة طرابلس سنة 1911، وانضمت إلى الشبكة اللبنانية العامة، ولا تزال المحطة، بمنشآتها، ومقطوراتها جاثمة بين البساتين الجرداء على مقربة من ساحل مرفأ المدينة، تماما مثلما توقفت أواسط السبعينات، يتآكلها الصدأ، وتتكدس حولها النباتات البرية التي تشكل مرتعاً للماشية.

لقطة من الفيلم الافتراضي لسكك الحديد.

المزيد من تصنيف محليات لبنانية