محليات لبنانية

لماذا يكره مسؤولو الدولة وزعماء الطوائف ... الجامعة اللبنانية ... وغيرها من مؤسسات الدولة؟ - د.جمال واكيم

خاص - جمال واكيم
29 12:24 أيار 2019
لماذا يكره مسؤولو الدولة وزعماء الطوائف ... الجامعة اللبنانية ... وغيرها من مؤسسات الدولة؟ - د.جمال واكيم

منذ نشأتها في العام 1951، كانت علاقة الجامعة اللبنانية بالدولة علاقة إشكالية في مفارقة ملتفة. فكيف للدولة أن تتخذ موقفا سلبيا تجاه جامعتها؟ 
للجواب عن هذا السؤال يجب علينا العودة إلى دراسة البنى التي قامت عليها الدولة اللبنانية منذ القرن التاسع عشر. فلقد شهد هذا القرن نمو نخب تجارية مرتبطة برأس المال الفرنسي تمركزت في بيروت التي تحولت إلى ميناء تجار لربط رأس المال الفرنسي بالداخل العثماني. وبالتوازي مع ذلك نما نفوذ الكنيسة المارونية خلال القرن التاسع عشر نتيجة عوامل عدة أعطاها دورا رياديا في مجتمع جبل لبنان منذ ذلك الزمن. ولموازنة نفوذ الكنيسة المارونية التي أضحت العامود الفقري للطائفة المارونية بأجمعها، فلقد تشكل الدروز ضمن طائفة في مواجهة الطائفة المارونية. ولموازنة الدعم الفرنسي للموارنة فلقد سعى الدروز لنيل رضا البريطانيين والعثمانيين. ومثلهم فعل الأورثوذوكس الذين لجأوا الى روسيا ومن ثم الى الولايات المتحدة، والروم الكاثوليك الذين احتموا بالنمسا – المجر. ولقد أصبحت الطائفية السياسية المرعية من الدول الكبرى هي الصيغة التي حكمت لبنان في ظل المتصرفية. 
وكان اللافت أن المتصرف كان يختار من خارج جبل لبنان من قبل الدول الكبرى. هذا أدى الى اعتبار مجتمع الجبل للدولة على أنها غريبة عنه. ولأن المتصرف داود باشا، أول متصرف لجبل لبنان، لم يتمكن من الحكم في البداية نتيجة معارضة يوسف بك كرم والكنيسة المارونية له، فإنه دمج المقاطعجية السابقين في الدولة على أن يكونوا واسطة العلاقة مع الرعية. فبات التوظيف في الدولة يمر عبرهم، والخدمات، والطبابة، الخ. وبات الفرد في جبل لبنان يلتجي للطائفة والزعيم ليحصل له مكاسب من الدولة، فيما بات يلتجىء الى هذه الطائفة والزعيم لحماية نفسه من الدولة. وباتت الطائفة هي التي تؤمن له الخدمات الاساسية من تعليم وطبابة وتوظيف وغيره أكان ذلك في مؤسساتها هي أو في مؤسسات الدولة. 
ومع قيام دولة لبنان الكبير عبر ضم بيروت وصيدا ودرابلس وجبل عاملة وسهل عكار واقضية البقاع الأربعة الى جبل لبنان، وعبر دمج عدد كبير من المسلمين السنة والشيعة في الصيغة اللبنانية، ترسخت الطائفية بجناحين مسلم ومسيحي خلال فترة الانتداب والاستقلال حتى الحرب الأهلية اللبنانية. ولقد كان للطائفة المسيحية مدارسها وجامعاتها، فيما درس المسلمون انفسهم في هذه المدارس. ولأن مفهوم الدولة بقي غريبا بالنسبة للنخب اللبنانية فلقد اتخذت هذه النخب موقفا سلبيا من مؤسسات الدولة. وما زاد في ذلك أن هذه المدارس والجامعات والمستشفيات كانت مصدر دخل كبير للزعامات الطائفية ما جعلها تنظر بعداء للمدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية. وقد وصل الأمر بالمدارس الكاثوليكية ومعها باقي المدارس الخاصة أن عقدت مؤتمرا في عهد الرئيس كميل شمعون أعلنت فيه عداءها للمدرسة الرسمية بحجة أنها تعمم الالحاد. 
في الستينات والسبعينات، مع نمو الرأسمالية السنية والشيعية، بدأت بورجوازية هاتين الطائفتين تناديان بحصة لهما في النظام الطائفي اللبناني. ولأنهما بنيتا على الصورة التي قامت عليها الطائفية المسيحية المارونية، فلقد تبنى زعماء هاتين الطائفتين الموقف السلبي نفسه من المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية. ولقد تبلور هذا الموقف أكثر ما تبلور بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية حين بدأتا باقامة مؤسساتهما الطائفية الصرفة، فبات لكل منهما مدارسهما وجامعاتهما ومستشفياتهما وشركاتهما، وباتت الدورة داخل كل طائفة لبنانية مغلقة تماما الا مع بعض الاستثناء. 
ولأن المنطق الطائفي يقوم على الاستقطاب العامودي، فلقد نظر الطائفيون المسيحيون والشيعة والسنة والدروز نظرة عداء للمدرسة الرسمية وللجامعة اللبنانية. ولأن هاتين المؤسستين كانتا قد لعبتا دورا مهما في عملية التأطير الأفقي قبل الحرب لتدمج السني والشيعي والماروني والدرزي في بوتقة واحدة، فلقد كان لزاما على زعماء الطوائف أن تقسم الجامعة خلال الحرب الأهلية عبر تفريعها الى فرعين، واحد مسيحي وآخر مسلم. ومع تبلور النظام الطائفي الجديد على أربعة أعمدة هي الماروني والسني والشيعي والدرزي، مضاف الى الزعامات المحلية، فلقد تم تفريع الجامعة اللبنانية الى خمسة فروع يقع كل واحد منها فريسة الهيمنة عليه من طائفة من الطوائف المذكورة أعلاه. 
ولأن النخب الطائفية اللبنانية قامت على فكرة النهب، فلقد نظرت الى الجامعة اللبنانية كما الى غيرها من المؤسسات العامة على أنها منهبة، فهي باب لتوظيف فاض اليد العاملة، وهي باب لتقديم الخدمات كما انها باب للمنفعة على حساب المصلخة العامة. هذا يفسر لماذا تم اجبار الجامعة اللبنانية على استئجار مبان من متنفذين عوض بناء مجمعات دائمة لها. 
ولأن الطائفية السياسية عادت لتتمكن من المجتمع بعد الحرب الأهلية لتمسلك بكل تفاصيله، فلقد تم مصادرة قرار الجامعة من قبل الطبقة السياسية والحافقها بمجلس الوزراء، وتم منع التوظيف فيها الا بواسطة من المتنفذين كما اصبح عليه الحال في كل مؤسسات الدولة العامة، وايضا في القطاع الخاص المملوك أصلا من الزعامات الطائفية وامراء الحرب بدرجة كبيرة. 
ولأن النخبة السياسية اللبنانية، وللظروف التي ذكرتها انفا، قامت على ثقافة العداء للدولة التي تسيطر هي عليها، فلقد تم التعاطي باستخفاف واستهانة بالمؤسسات العامة وعلى رأسها الجامعة اللبنانية. وهذا ما يفسر السلوك العدائي من قبل مسؤولي الطوائف الممسكة بالدولة تجاه الجامعة اللبنانية، والجيش اللبناني، والمدرسة الرسمية، والادارات العامة، الخ، وهذا ما يفسر الاهمال المتعمد لهذه المؤسسات والسعي الدائم لاضعافها وحتى تصفيتها. 

المزيد من تصنيف محليات لبنانية